تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 914

مساهمون:

ص٩١٤
يقلعون عن ذنوبهم ، ويندمون عليها ، ويعزمون على أن لا يعاودوها ، إذا قصدوا بذلك وجه ربهم ، فإن اللّه يقبلها ، بعد ما انعقدت سببا للهلاك ، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية .
وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ
ويمحوها ، ويمحو أثرها من العيوب ، وما اقتضته من العقوبات . ويعود التائب عنده كريما ، كأنه ما عمل سوءا قط ، ويحبه ، ويوفقه لما يقرّبه إليه . ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة ، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها ، وقد تكون ناقصة عند نقصهما ، وقد تكون فاسدة ، إذا كان القصد منها ، بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية ، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلّا اللّه ، ختم هذه الآية بقوله :
وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
. [ 26 ] فاللّه تعالى ، دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه ، والتوبة من التقصير ، فانقسموا - بحسب الاستجابة له - إلى قسمين : مستجيبين وصفهم بقوله :
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي : يستجيبون لربهم ، لما دعاهم إليه وينقادون له ، ويلبون دعوته ، لأن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح ، يحملهم على ذلك . فإذا استجابوا له ، شكر اللّه لهم ، وهو الغفور الشكور .
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
توفيقا ونشاطا على العمل ، وزادهم مضاعفة في الأجر ، زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز العظيم . وأما غير المستجيبين للّه
وَ
هم المعاندون
الْكافِرُونَ
به وبرسله ، فإنهم
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
في الدنيا والآخرة . [ 27 ] ثمّ ذكر أن من لطفه بعباده ، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة ، تضر بأديانهم فقال :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
أي : لغفلوا عن طاعة اللّه ، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا ، فأوجبت لهم الانكباب على ما تشتهيه نفوسهم ، ولو كان معصية وظلما .
وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ
بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته
إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
كما في بعض الآثار أن اللّه تعالى يقول : « إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا الصحة ، ولو أمرضته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك ، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم ، إني خبير بصير » . [ 28 ]
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ
أي : المطر الغزير الذي به يغيث البلاد والعباد .
مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا
وانقطع عنهم مدة ، وظنوا أنه لا يأتيهم ، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالا ، فينزل اللّه الغيث
وَيَنْشُرُ
به
رَحْمَتَهُ
من إخراج الأقوات للآدميين ، وبهائمهم ، فيقع عندهم موقعا عظيما ، ويستبشرون بذلك ويفرحون .
وَهُوَ الْوَلِيُّ
الذي يتولى عباده ، بأنواع التدبير ، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم .
الْحَمِيدُ
في ولايته وتدبيره ، الحميد على ما له من الكمال ، وما أوصله إلى خلقه ، من أنواع الأفضال . [ 29 ]
وَمِنْ آياتِهِ
أي : ومن أدلة قدرته العظيمة ، وأنه سيحيي الموتى بعد موتهم .
خَلْقُ
هذه
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
على عظمهما وسعتهما ، الدال على قدرته ، وسعة سلطانه ، وما فيهما من الإتقان والإحكام ، دال على حكمته وما فيهما من المنافع والمصالح ، دال على رحمته ، وذلك يدل على أنه المستحق لأنواع العبادة كلها ، وأن إلهية ما سواه باطلة .
وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ
أي : ما نشر في السماوات والأرض من أصناف الدواب التي جعلها اللّه