تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 887

مساهمون:

ص٨٨٧
قولا مجردا عن البينات ، ولهذا قال :
وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ
لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارا علم به الصغير والكبير ، أي : فهذا لا يوجب قتله . فهلّا أبطلتم قبل ذلك ، ما جاء به من الحقّ ، وقابلتم البرهان ببرهان يرده ، ثمّ بعد ذلك نظرتم ، هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا ؟ فأما وقد ظهرت حجته ، واستعلى برهانه ، فبينكم وبين حل قتله ، مفاوز تنقطع بها أعناق المطي . ثمّ قال لهم مقالة عقلية ، تقنع كلّ عاقل ، بأي حالة قدرت فقال :
وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ
أي : موسى بين أمرين ، إما كاذب في دعواه ، أو صادق فيها . فإن كان كاذبا ، فكذبه عليه ، وضرره مختص به ، وليس عليكم في ذلك ضرر ، حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه . وإن كان صادقا ، وقد جاءكم بالبينات ، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه ، عذبكم اللّه عذابا في الدنيا ، وعذابا في الآخرة ، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم ، وهو عذاب الدنيا . وهذا من حسن عقله ، ولطف دفعه عن موسى ، حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم ، وجعل الأمر دائرا بين تينك الحالتين ، وعلى كلّ تقدير فقتله سفه وجهل منكم . ثمّ انتقل رضي اللّه عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى من ذلك ، وبيان قرب موسى من الحقّ فقال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
أي : متجاوز الحد ، بترك الحقّ والإقبال على الباطل .
كَذَّابٌ
بنسبته ما أسرف فيه إلى اللّه ، فهذا لا يهديه اللّه إلى طريق الصواب ، لا في مدلوله ، ولا في دليله ، ولا يوفقه للصراط المستقيم . أي : وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحقّ ، وما هداه اللّه إلى بيانه من البراهين العقلية ، والخوارق السماوية . فالذي اهتدى هذا الهدى ، لا يمكن أن يكون مسرفا ، ولا كاذبا . وهذا دليل على كمال علمه وعقله ، ومعرفته بربه . [ 29 ] ثمّ حذّر قومه ، ونصحهم ، وخوفهم عذاب الآخرة ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر فقال :
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
أي : في الدنيا
ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ
على رعيتكم ، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير . فهبكم حصل لكم ذلك وتم ، ولن يتم ،
فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ
أي : عذابه
إِنْ جاءَنا
؟ وهذا من حسن دعوته ، حيث جعل الأمر مشتركا ، بينه وبينهم بقوله :
فَمَنْ يَنْصُرُنا
وقوله :
إِنْ جاءَنا
ليفهمهم أنه ينصح لهم ، كما ينصح لنفسه ، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه .
قالَ فِرْعَوْنُ
معارضا له في ذلك ، ومغررا لقومه أن يتبعوا موسى :
ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
وصدق في قوله :
ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى
، ولكن ما الذي رأى ؟ رأى أن يستخف قومه فيتابعوه ، ليقيم بهم رئاسته ، ولم ير الحقّ معه ، بل رأى الحقّ مع موسى ، وجحد به ، مستيقنا له . وكذب في قوله :
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
فإن هذا ، قلب للحق . فلو أمرهم باتباعه ، اتباعا مجردا على كفره وضلاله ، لكان الشر أهون . ولكنه أمرهم باتباعه ، وزعم أن في اتباعه ، اتباع الحقّ ، وفي اتباع الحقّ ، اتباع الضلال . [ 30 ]
وَقالَ الَّذِي آمَنَ
مكررا دعوة قومه ، غير آيس من هدايتهم ، كما هي حالة الدعاة إلى اللّه تعالى ، لا يزالون يدعون إلى ربهم ، ولا يردهم عن ذلك راد ، ولا يثنيهم عتو من دعوه ، عن تكرار الدعوة ، فقال لهم :
يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ
يعني الأمم المكذبين ، الّذين تحزبوا على أنبيائهم ، واجتمعوا على معارضتهم . ثمّ بينهم فقال : [ 31 ]
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
أي : مثل عادتهم في الكفر والتكذيب ، وعادة اللّه فيهم ، بالعقوبة العاجلة في الدنيا ، قبل الآخرة .
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه ، ولا جرم أسلفوه . [ 32 ] ولما خوفهم العقوبات الدنيوية ، خوفهم العقوبات الأخروية ، فقال :
وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ
( 32 ) أي : يوم القيامة ، حين ينادي أهل الجنة أهل النار :
أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا
إلى آخر الآيات .
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
. وحين ينادي أهل النار مالكا
لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
، فيقول :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
. وحين ينادون ربهم :
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها