تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 884

مساهمون:

ص٨٨٤
آياته ، نبه على آية عظيمة فقال :
وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً
أي : مطرا ، به ترزقون وتعيشون أنتم وبهائمكم ، وذلك يدل على أن النعم كلها منه . فمنه نعم الدين ، وهي المسائل الدينية ، والأدلة عليها ، وما يتبع ذلك ، من العمل بها . والنعم الدنيوية كلها ، كالنعم الناشئة عن الغيث ، الذي تحيا به البلاد والعباد . وهذا يدل دلالة قاطعة ، أنه وحده هو المعبود ، الذي يتعين إخلاص الدين له ، كما أنه - وحده - المنعم .
وَما يَتَذَكَّرُ
بالآيات ، حين يذكر بها
إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
إلى اللّه تعالى ، بالإقبال على محبته ، وخشيته ، وطاعته ، والتضرع إليه . فهذا الذي ينتفع بالآيات ، وتصير رحمة في حقه ، ويزداد بها بصيرة . [ 14 ] ولما كانت الآيات ، تثمر التذكر ، والتذكر يوجب الإخلاص للّه ، رتب الأمر على ذلك بالفاء الدالة على السببية فقال :
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
. وهذا شامل لدعاء العبادة ، ودعاء المسألة . والإخلاص ، معناه : تخليص القصد للّه تعالى ، في جميع العبادات ، الواجبة والمستحبة ، حقوق اللّه ، وحقوق عباده . أي : أخلصوا للّه تعالى ، في كلّ ما تدينونه به ، وتتقربون به إليه .
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
لذلك ، فلا تبالوا بهم ، ولا يثنكم ذلك عن دينكم ، ولا تأخذكم باللّه لومة لائم ، فإن الكافرين ، يكرهون الإخلاص للّه وحده ، غاية الكراهة كما قال تعالى :
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
( 45 ) . [ 15 ] ثمّ ذكر من جلاله وكماله ، ما يقتضي إخلاص العبادة له فقال :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ
أي : العلي الأعلى ، الذي استوى على العرش ، واختص به ، وارتفعت درجاته ارتفاعا باين به مخلوقاته ، وارتفع به قدره ، وجلّت أوصافه ، وتعالت ذاته ، أن يتقرب إليه إلا بالعمل الزكي الطاهر المطهّر وهو الإخلاص ، الذي يرفع درجات أصحابه ، ويقربهم إليه ، ويجعلهم فوق خلقه . ثمّ ذكر نعمته على عباده بالرسالة والوحي فقال :
يُلْقِي الرُّوحَ
أي : الوحي الذي للأرواح والقلوب بمنزلة الأرواح للأجساد . فكما أن الجسد بدون الروح لا يحيا ولا يعيش ، فالروح والقلب ، بدون روح الوحي ، لا يصلح ولا يفلح ، فهو تعالى
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ
الذي فيه نفع العباد ومصلحتهم .
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وهم الرسل ، الّذين فضلهم ، واختصهم لوحيه ، ودعوة عباده . والفائدة في إرسال الرسل ، هو تحصيل سعادة العباد ، في دينهم ، ودنياهم ، وآخرتهم ، وإزالة الشقاوة عنهم ، في دينهم ، ودنياهم ، وآخرتهم ، ولهذا قال :
لِيُنْذِرَ
من ألقى إليه الوحي
يَوْمَ التَّلاقِ
أي : يخوف العباد بذلك ، ويحثهم على الاستعداد له ، بالأسباب المنجية مما يكون فيه . وسماه « يوم التلاق » لأنه يلتقي فيه الخالق والمخلوق ، والمخلوقون بعضهم مع بعض ، والعاملون ، وأعمالهم وجزاؤهم . [ 16 ]
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ
أي : ظاهرون على الأرض ، وقد اجتمعوا في صعيد واحد ، لا عوج ولا أمت فيه ، يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر .
لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ
لا من ذواتهم ، ولا من أعمالهم ، ولا من جزاء تلك الأعمال .
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
أي : من هو المالك لذلك اليوم العظيم ، الجامع للأولين والآخرين ، أهل السماوات وأهل الأرض الذي ، انقطعت فيه الشركة في الملك ، وتقطعت الأسباب ، ولم يبق إلا الأعمال الصالحة أو السيئة ؟ الملك
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
أي : المنفرد في ذاته وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، فلا شريك له في شيء منها ، بوجه من الوجوه .
الْقَهَّارِ
لجميع المخلوقات ، الذي دانت له المخلوقات ، وذلت وخضعت ، خصوصا في ذلك اليوم ، الذي عنت فيه الوجوه للحي القيوم ، يومئذ لا تكلّم نفس إلا بإذنه . [ 17 ]
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
في الدنيا ، من خير وشر ، قليل وكثير .
لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
على أحد ، بزيادة في سيئاته ، أو نقص في حسناته .
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
أي : لا تستبطئوا ذلك اليوم ، فإنه آت ، وكلّ آت قريب . وهو أيضا سريع المحاسبة لعباده يوم القيامة ، لإحاطة علمه وكمال قدرته . [ 18 ] يقول تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ
أي : يوم القيامة التي قد أزفت وقربت ، وآن الوصول