تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 888

مساهمون:

ص٨٨٨
فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ
( 107 ) . فيجيبهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
. وحين يقال للمشركين :
ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
. فخوفهم رضي اللّه عنه ، هذا اليوم المهول ، وتوجع لهم أن قاموا على شركهم بذلك . ولهذا قال : [ 33 ]
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ
أي : قد ذهب بكم إلى النار
ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ
لا من أنفسكم قوة ، تدفعون بها عذاب اللّه ، ولا ينصركم من دونه من أحد
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ
( 10 ) .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
لأن الهدى بيد اللّه تعالى . فإذا منع عبده الهدى ، لعلمه أنه غير لائق به ، لخبثه ، فلا سبيل إلى هدايته . [ 34 ]
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ
بن يعقوب عليهما السلام
مِنْ قَبْلُ
إتيان موسى ، بالبينات الدالة على صدقه ، وأمركم بعبادة ربكم وحده لا شريك له .
فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ
في حياته
حَتَّى إِذا هَلَكَ
ازداد شككم وشرككم . و
قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا
أي : ظنكم الباطل ، وحسبانكم الذي لا يليق باللّه تعالى ، فإنه تعالى لا يترك خلقه سدى ، لا يأمرهم وينهاهم ، بل يرسل إليهم رسله . والظن بأن اللّه لا يرسل رسولا ، ظن ضلال ، ولهذا قال :
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ
وهذا هو وصفهم الحقيقي ، الذي وصفوا به موسى ، ظلما وعلوا . فهم المسرفون ، بتجاوزهم الحق ، وعدولهم عنه إلى الضلال . وهم الكذبة ، حيث نسبوا ذلك إلى اللّه ، وكذبوا رسوله . فالذي وصفه السرف والكذب ، لا ينفك عنهما ، لا يهديه اللّه ، ولا يوفقه للخير ، لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه . فجزاؤه أن يعاقبه ، بأن يمنعه الهدى كما قال تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 110 )
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
. [ 35 ] ثم ذكر وصف المسرف المرتاب فقال :
الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ
التي بينت الحق من الباطل ، وصارت - من ظهورها - بمنزلة الشمس للبصر . فهم يجادلون فيها على وضوحها ، ليدفعوها ويبطلوها
بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ
أي : بغير حجة وبرهان ، وهذا وصف لازم ، لكل من جادل في آيات اللّه ، فإنه من المحال ، أن يجادل بسلطان ؛ لأن الحق لا يعارضه معارض ، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلا .
كَبُرَ
ذلك القول المتضمن لرد الحق بالباطل
مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا
. فاللّه أشد بغضا لصاحبه ؛ لأنه تضمن التكذيب بالحق ، والتصديق بالباطل ، ونسبته إليه . وهذه أمور يشتد بغض اللّه لها ولمن اتصف بها ، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم ، وهؤلاء خواص خلق اللّه تعالى فمقتهم دليل على شناعة من مقتوه ،
كَذلِكَ
أي : كما طبع على قلوب آل فرعون
يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
متكبر في نفسه على الحق برده وعلى الخلق باحتقارهم ، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه . [ 36 - 37 ]
وَقالَ فِرْعَوْنُ
معارضا لموسى ، ومكذبا له في دعوته إلى الإقرار برب العالمين ، الذي على العرش استوى ، وعلى الخلق اعتلى :
يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً
أي : بناء عظيما مرتفعا . والقصد منه
لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً
في دعواه أن لنا ربا ، وأنه فوق السماوات .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 888 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي