تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 881

مساهمون:

ص٨٨١
بَعْدِهِمْ
الذين تحزبوا ، وتجمعوا على الحق ليبطلوه ، وعلى الباطل لينصروه .
وَ
أنه بلغت بهم الحال ، وآل بهم التحزب إلى أنه
هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ
من الأمم
بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ
أي : يقتلوه . وهذا أبلغ ما يكون للرسل ، الذين هم قادة أهل الخير ، الذين معهم الحق الصرف ، الذي لا شك فيه ، ولا اشتباه ، هموا بقتلهم . فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء ، إلا العذاب العظيم ، الذي لا يخرجون منه ؟ ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية :
فَأَخَذْتُهُمْ
أي : بسبب تكذيبهم وتحزبهم
فَكَيْفَ كانَ عِقابِ
كان أشد العقاب وأفظعه ، إن هو إلا صيحة ، أو حاصب ينزل عليهم ، أو يأمر الأرض أن تأخذهم ، أو البحر أن يغرقهم ، فإذا هم خامدون . [ 6 ]
وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : كما حقت على أولئك ، حقت عليهم كلمة الضلال ، التي نشأت عنها كلمة العذاب ، ولهذا قال :
أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
. [ 7 ] يخبر تعالى ، عن كمال لطفه بعباده المؤمنين ، وما قيض لأسباب سعادتهم ، من الأسباب الخارجة عن قدرهم ، من استغفار الملائكة المقربين لهم ، ودعائهم لهم ، بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم . وفي ضمن ذلك ، الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله ، وقربهم من ربهم ، وكثرة عبادتهم ، ونصحهم لعباد اللّه ، لعلمهم أن اللّه يحب ذلك منهم فقال :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ
أي : عرش الرحمن ، الذي هو سقف المخلوقات ، وأعظمها ، وأوسعها ، وأحسنها ، وأقربها من اللّه تعالى ، الذي وسع الأرض والسماوات ، والكرسي . وهؤلاء الملائكة ، قد وكلهم اللّه تعالى بحمل عرشه العظيم ، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة ، وأعظمهم ، وأقواهم . واختيار اللّه إياهم ، لحمل عرشه ، وتقديمهم في الذكر ، وقربهم منه ، يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة ، عليهم السّلام ، قال تعالى :
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
.
وَمَنْ حَوْلَهُ
من الملائكة المقربين في المنزلة والفضيلة
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
هذا مدح لهم ، بكثرة عبادتهم للّه تعالى ، وخصوصا ، التسبيح والتحميد . وسائر العبادات ، تدخل في تسبيح اللّه وتحميده ، لأنها تنزيه له ، عن كون العبد يصرفها لغيره ، وحمد له تعالى ، بل الحمد هو العبادة للّه تعالى . وأما قول العبد : « سبحان اللّه وبحمده » فهو داخل في ذلك وهو من جملة العبادات .
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
وهذا من جملة فوائد الإيمان ، وفضائله الكثيرة جدا ، أن الملائكة الّذين يؤمنون باللّه ، ولا ذنوب عليهم ، يستغفرون لأهل الإيمان ، فالمؤمن بإيمانه ، تسبب لهذا الفضل العظيم . ولما كانت المغفرة ، لها لوازم ، لا تتم إلا بها - غير ما يتبادر إلى كثير من الأذهان ، أن سؤالها وطلبها ، غايته مجرد مغفرة الذنوب - ذكر تعالى صفة دعائهم لهم بالمغفرة ، بذكر ما لا تتم إلا به فقال :
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
فعلمك قد أحاط بكل شيء ، ولا يخفى عليك منه خافية ، ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ، ولا أكبر ، ورحمتك وسعت كلّ شيء . فالكون علوية وسفليه ، قد امتلأ برحمة اللّه تعالى ، ووسعتهم ، ووصل إلى ما وصل إليه خلقه .
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا
من الشرك والمعاصي
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
باتباع رسلك ، بتوحيدك وطاعتك .
وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
أي : قهم العذاب نفسه ، وقهم أسباب العذاب .