تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 879

مساهمون:

ص٨٧٩
يلعن بعضهم بعضا ، ويبرأ بعضهم من بعض ،
حَتَّى إِذا جاؤُها
أي : وصلوا إلى ساحتها
فُتِحَتْ
لهم أي : لأجلهم
أَبْوابُها
لقدومهم وقرى لنزولهم .
وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها
مهنئين لهم بالشقاء الأبدي ، والعذاب السرمدي ، وموبخين لهم على الأعمال ، التي أوصلتهم إلى هذا المحل الفظيع :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
أي : من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم ، وتتمكنون من التلقي عنهم ؟
يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ
التي أرسلهم اللّه بها ، الدالة على الحق اليقين بأوضح البراهين .
وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
أي : وهذا يوجب عليكم اتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم ، باستعمال تقواه ، وقد كانت حالكم بخلاف هذه الحال ؟
قالُوا
مقرين بذنبهم ، وأن حجة اللّه قامت عليهم :
بَلى
قد جاءتنا رسل ربنا ، بآياته وبيناته ، وبينوا لنا غاية التبيين وحذرونا من هذا اليوم .
وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ
أي : بسب كفرهم ، وجبت عليهم كلمة العذاب ، التي هي لكل من كفر بآيات اللّه ، وجحد ما جاء به المرسلون ، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجة عليهم . [ 72 ]
قِيلَ
لهم على وجه الإهانة والإذلال
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ
كل طائفة تدخل من الباب الذي يناسبها ، ويوافق عملها .
خالِدِينَ فِيها
أبدا ، لا يظعنون عنها ، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة ، ولا ينظرون .
فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
أي : بئس المقر ، النار مقرهم ، وذلك لأنهم تكبروا على الحق ، فجازاهم اللّه من جنس عملهم ، بالإهانة ، والذال ، والخزي . [ 73 ] ثم قال عن أهل الجنة :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
بتوحيده ، والعمل بطاعته ، سوق إكرام وإعزاز ، يحشرون وفدا على النجائب .
إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً
فرحين مستبشرين ، كل زمرة مع الزمرة ، التي تناسب عملها ، وتشاكله .
حَتَّى إِذا جاؤُها
أي : وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة ، والمنازل الأنيقة ، وهبّ عليهم ريحها ونسيمها ، وآن خلودها ونعيمها .
وَفُتِحَتْ
لهم
أَبْوابُها
فتح إكرام ، لكرام الخلق ، ليكرموا فيها .
وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها
تهنئة لهم وترحيبا :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ
أي : سلام عليكم من كل آفة وشر حال .
طِبْتُمْ
أي : طابت قلوبكم بمعرفة اللّه ومحبته ، وخشيته ، وألسنتكم بذكره ، وجوار حكم بطاعته . ( ف ) بسبب طيبكم ادخلوها
خالِدِينَ
لأنها الدار الطيبة ، ولا يليق بها إلا الطيبون . وقال في النار
فُتِحَتْ أَبْوابُها
وفي الجنة
وَفُتِحَتْ
بالواو ، إشارة إلى أن أهل النار ، بمجرد وصولهم إليها ، فتحت لهم أبوابها ، من غير إنظار ولا إمهال . وليكون فتحها في وجوههم ، وعلى وصولهم ، لحرها ، وأشد لعذابها . وأما الجنة ، فإنها الدار العالية الغالية ، التي لا يوصل إليها ولا ينالها كل أحد ، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها ، ومع ذلك ، فيحتاجون لدخولها إلى الشفاعة عند أكرم الشفعاء عليه ، فلم تفتح لهم بمجرد ما وصلوا إليها . بل يستشفعون إلى اللّه بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى يشفع ، فيشفعه اللّه تعالى . وفي الآيات ، دليل على أن النار والجنة ، لهما أبواب ، تفتح وتغلق ، وأن لكل منهما خزنة . وهما الداران الخالصتان ، اللتان لا يدخل فيهما ، إلا من استحقهما ، بخلاف سائر الأمكنة والدور . [ 74 ]
وَقالُوا
عند دخولهم فيها ، واستقرارهم ، حامدين ربهم على ما أولاهم ، ومنّ عليهم ، وهداهم :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ
أي : وعدنا الجنة على ألسنة رسله ، إن آمنّا وصلحنا ، فوفّى لنا بما وعدنا ، وأنجز لنا ما منّانا .
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ
أي : أرض الجنة
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
أي : ننزل منها أي مكان شئنا ، ونتناول منها ، أي نعيم أردنا ، ليس ممنوعا عنّا شيء نريده .
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
الذين اجتهدوا بطاعة ربهم ، في زمن قليل منقطع ، فنالوا بذلك خيرا عظيما باقيا مستمرا . وهذه الدار ، التي تستحق المدح على الحقيقة ، التي يكرم اللّه فيها خواص خلقه . ورضيها الجواد الكريم لهم نزلا ، وبنى أعلاها وأحسنها ، وغرسها بيده ، وحشاها من رحمته وكرامته ، ما ببعضه يفرح الحزين ، ويزول الكدر ، ويتم الصفاء . [ 75 ]
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ
أيها الرائي ذلك اليوم العظيم
حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
أي : قد قاموا في خدمة ربهم ، واجتمعوا حول عرشه ، خاضعين لجلاله ، معترفين بكماله ، مستغرقين بجماله .
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 879 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي