تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 883

مساهمون:

ص٨٨٣
وامتناع ذلك عليهم ، وتوبيخهم ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أطلقه ليشمل أنواع الكفر كلها ، من الكفر باللّه ، أو بكتبه ، أو برسله ، أو باليوم الآخر ، حين يدخلون النار ، ويقرون أنهم يستحقونها ، لما فعلوه من الذنوب والأوزار ، فيمقتون أنفسهم لذلك أشد المقت ، ويغضبون عليها غاية الغضب ، فينادون عند ذلك . ويقال لهم :
لَمَقْتُ اللَّهِ
أي : إياكم
إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ
أي : حين دعتكم الرسل وأتباعهم ، إلى الإيمان ، وأقاموا لكم من البينات ، ما تبين به الحقّ ، فكفرتم ، وزهدتم في الإيمان ، الذي خلقكم اللّه له ، وخرجتم من رحمته الواسعة ، فمقتكم وأبغضكم . فهذا
أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
أي : فلم يزل هذا المقت ، مستمرا عليكم ، والسخط من الكريم حالّا بكم ، حتى آلت بكم الحال ، إلى ما آلت . فاليوم حلّ عليكم غضب اللّه وعقابه ، حين نال المؤمنون رضوان اللّه وثوابه . [ 11 ] فتمنوا الرجوع ، و
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
يريدون الموتة الأولى ، وما بين النفختين على ما قيل ، أو العدم المحض قبل إيجادهم ، ثمّ أماتهم بعد ما أوجدهم .
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
الحياة الدنيا ، والحياة الأخرى .
فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
أي : تحسروا وقالوا ذلك ، فلم يفد ولم ينجع ، ووبخوا على عدم فعل أسباب النجاة ، فقيل لهم : [ 12 ]
ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ
أي : إذا دعي لتوحيده ، وإخلاص العمل له ، ونهي عن الشرك به
كَفَرْتُمْ
به ، واشمأزت لذلك قلوبكم ، ونفرتم غاية النفور .
وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا
أي : هذا الذي أنزلكم هذا المنزل ، وبوأكم هذا المقيل والمحل ، أنكم تكفرون بالإيمان ، وتؤمنون بالكفر . ترضون بما هو شر وفساد في الدنيا والآخرة ، وتكرهون ما هو خير وصلاح ، في الدنيا والآخرة . تؤثرون سبب الشقاوة ، والذل ، والغضب ، وتزهدون بما هو سبب الفوز والفلاح والظفر
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
.
فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ
العلي : الذي له العلو المطلق ، من جميع الوجوه ، علو الذات ، وعلو القدر ، وعلو القهر . ومن علو قدره ، كمال عدله تعالى ، وأنه يضع الأشياء مواضعها ، ولا يساوي بين المتقين والفجار .
الْكَبِيرِ
الذي له الكبرياء والعظمة والمجد ، في أسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، المتنزه عن كلّ آفة ، وعيب ، ونقص . فإذا كان الحكم له تعالى ، وقد حكم عليكم بالخلود الدائم ، فحكمه لا يغير ولا يبدل . [ 13 ] يذكر تعالى نعمه العظيمة ، على عباده ، بتبيين الحقّ من الباطل ، بما يري عباده من آياته النفسية ، والآفاقية ، والقرآنية ، الدالة على كلّ مطلوب مقصود ، الموضحة للهدى من الضلال ، بحيث لا يبقى عند الناظر فيها ، والمتأمل لها ، أدنى شك في معرفة الحقائق . وهذا من أكبر نعمه على عباده ، حيث لم يبق الحقّ مشتبها ، ولا الصواب ملتبسا . بل نوّع الدلالات ، ووضح الآيات ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيا من حي عن بيّنة . وكلّما كانت المسائل أجلّ وأكبر ، كانت الدلائل عليها أكثر وأيسر . فانظر إلى التوحيد ، لما كانت مسألته من أكبر المسائل ، بل أكبرها ، كثرت الأدلة عليها العقلية والنقلية ، وتنوعت ، وضرب اللّه لها الأمثال ، وأكثر لها من الاستدلال . ولهذا ذكرها في هذا الموضع ، ونبه على جملة من أدلتها ، فقال :
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
. ولما ذكر أنه يري عباده
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 883 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي