تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 876

مساهمون:

ص٨٧٦
غفلتهم ، حتى يأتيهم يوم يندمون فيه ، ولا تنفع الندامة . « ولئلا »
تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
أي : في جانب حقه .
وَإِنْ كُنْتُ
في الدنيا
لَمِنَ السَّاخِرِينَ
في إتيان الجزاء ، حتى رأيته عيانا . [ 57 ]
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
( 57 ) و « لو » في هذا الموضع للتمني . أي : ليت أن اللّه هداني ، فأكون متقيا له ، فأسلم من العقاب ، وأستحق الثواب . وليست « لو » هنا شرطية ، لأنها لو كانت شرطية ، لكانوا محتجبين بالقضاء والقدر على ضلالهم ، وهي حجة باطلة ، ويوم القيامة تضمحل كل حجة باطلة . [ 58 ]
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ
وتجزم بوروده
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً
أي : رجعة إلى الدنيا
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
. قال تعالى : إن ذلك غير ممكن ولا مفيد ، وإن هذه أماني باطلة ، لا حقيقة لها ، إذ لا يتجدد للعبد لو ردّ ، بيان بعد البيان الأول . [ 59 ]
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي
الدالة على الحق ، دلالة لا يمترى فيها .
فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ
عن اتباعها
وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
. فسؤال الرد إلى الدنيا ، نوع عبث ،
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
. [ 60 ] يخبر تعالى ، عن خزي الذين كذبوا عليه ، وأن وجوههم تكون يوم القيامة مسودة كأنها الليل البهيم ، يعرفهم بذلك أهل الموقف ، فالحق أبلج واضح ، كأنه الصبح . فكما سوّدوا وجه الحق بالكذب ، سود اللّه وجوههم ، جزاء من جنس عملهم . فلهم سواد الوجوه ، ولهم العذاب الشديد في جهنم ، ولهذا قال :
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ
عن الحق ، وعن عبادة ربهم ، المفترين عليه ؟ بلى ، واللّه ، إن فيها لعقوبة وخزيا وسخطا ، يبلغ من المتكبرين كل مبلغ ، ويؤخذ الحق منهم بها . والكذب على اللّه يشمل الكذب عليه ، باتخاذ الشريك والولد والصاحبة ، والإخبار عنه بما لا يليق بجلاله ، أو ادعاء النبوة ، أو القول في شرعه بما لم يقله ، والإخبار بأنه قاله وشرعه . [ 61 ] ولما ذكر حالة المتكبرين ، ذكر حالة المتقين فقال :
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ
أي : بنجاتهم ، وذلك لأن معهم آلة النجاة ، وهي تقوى اللّه تعالى ، التي هي العدة ، عند كل هول وشدة .
لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
أي : العذاب الذي يسوؤهم
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
فنفى عنهم مباشرة العذاب وخوفه ، وهذا غاية الأمان . فلهم الأمن التام ، يصحبهم حتى يوصلهم إلى دار السلام . فحينئذ ، يأمنون من كل سوء ومكروه ، وتجرى عليهم نضرة النعيم . ويقولون :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
. [ 62 - 63 ] يخبر تعالى عن عظمته وكماله ، الموجب لخسران من كفر به فقال :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
هذه العبارة وما أشبهها ، مما هو كثير في القرآن ، تدل على أن جميع الأشياء - غير اللّه وأسمائه وصفاته - مخلوقة . ففيها رد على كل من قال ، بقدم بعض المخلوقات ، كالفلاسفة القائلين بقدم الأرض والسماوات ، وكالقائلين بقدم الأرواح ، ونحو ذلك من أقوال أهل الباطل ، المتضمنة تعطيل الخالق عن خلقه . وليس كلام اللّه من الأشياء المخلوقة ، لأن الكلام صفة المتكلم . واللّه ، تعالى بأسمائه وصفاته ، أول ليس قبله شيء . فأخذ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها ، أن كلام اللّه مخلوق ، من أعظم الجهل . فإنه تعالى ، لم يزل بأسمائه وصفاته ، ولم يحدث صفة من صفاته ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 876 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي