تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 865

مساهمون:

ص٨٦٥
فسألوه ، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى ، لم ينقصوا من غناه شيئا ، ولم ينقصوا مما عنده ، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط . وجميع الشفعاء يخافونه ، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه ، وله الشفاعة كلها . فبهذه الفروق ، يعلم جهل المشركين به ، وسفههم العظيم ، وشدة جراءتهم عليه . ويعلم أيضا ، الحكمة في كون الشرك لا يغفره اللّه تعالى ؛ لأنه يتضمن القدح في اللّه تعالى . ولهذا قال - حاكما بين الفريقين ، المخلصين والمشركين ، وفي ضمنه التهديد للمشركين - :
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
. وقد علم أن حكمة أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم ، أن من يشرك باللّه ، فقد حرم اللّه عليه الجنة ، ومأواه النار .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
أي : لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم .
مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ
. أي : وصفه الكذب أو الكفر ، بحيث تأتيه المواعظ والآيات ، ولا يزول عنه ما اتصف به ، ويريه اللّه الآيات ، فيجحدها ، ويكفر بها ، ويكذب . فهذا أنّى له الهدى ، وقد سد على نفسه الباب ، وعوقب بأن طبع اللّه على قلبه ، فهو لا يؤمن ؟ [ 4 ] أي :
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
كما زعم ذلك من زعمه ، من سفهاء الخلق .
لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ
أي : لاصطفى من مخلوقاته ، الذي يشاء اصطفاءه ، واختصه لنفسه ، وجعله بمنزلة الولد ، ولم يكن له حاجة إلى اتخاذ الصاحبة .
سُبْحانَهُ
أي : تنزه عمّا ظن به الكافرون ، أو نسبه إليه الملحدون .
هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
أي : الواحد في ذاته ، وفي أسمائه ، وفي صفاته ، وفي أفعاله فلا شبيه له في شيء من ذلك ، ولا مماثل . فلو كان له ولد ، لاقتضى أن يكون شبيها له في وحدته ؛ لأنه بعضه ، وجزء منه . القهّار لجميع العالم ، العلوي والسفلي . فلو كان له ولد ، لم يكن مقهورا ، ولكان له إدلال على أبيه ، ومناسبة منه . ووحدته تعالى ، وقهره متلازمان . فالواحد لا يكون إلا قهارا ، والقهّار لا يكون إلا واحدا ، وذلك ينفي الشركة له من كلّ وجه . [ 5 ] يخبر تعالى أنه
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
أي : بالحكمة والمصلحة . وليأمر العباد وينهاهم ، ويثيبهم ويعاقبهم .
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
أي : يدخل كلّا منهما على الآخر ، ويحل محله فلا يجتمع هذا وهذا ، بل إذا أتى أحدهما ، انعزل الآخر عن سلطانه .
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
بتسخير منظم ، وسير مقنن .
كُلٌّ
من الشمس والقمر
يَجْرِي
متأثرا عن تسخيره تعالى
لِأَجَلٍ مُسَمًّى
وهو انقضاء هذه الدار وخرابها ، فيخرب اللّه آلاتها ، وشمسها ، وقمرها ، وينشئ الخلق نشأة جديدة ، ليستقروا في دار القرار ، الجنة ، أو النار .
أَلا هُوَ الْعَزِيزُ
الذي لا يغالب ، القاهر لكل شيء ، الذي لا يستعصي عليه شيء . الذي من عزته ، أوجد هذه المخلوقات العظيمة ، وسخرها تجري بأمره .
الْغَفَّارُ
لذنوب عباده التوابين المؤمنين ، كما قال تعالى :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
( 82 ) . الغفار لمن أشرك به ، بعد ما رأى من آياته العظيمة ، ثمّ تاب وأناب . [ 6 ] ومن عزته أن
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
على كثرتكم وانتشاركم ، في أنحاء الأرض .
ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
وذلك ليسكن إليها وتسكن إليه ، وتتم بذلك النعمة .
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ
أي : خلقها بقدر نازل منه ، رحمة