تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 814

مساهمون:

ص٨١٤
ضررها على عابديها ، وأنه يوم القيامة ، يكفر بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، ومأواهم النار
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
( 6 ) . والعجب ، أن المشرك استكبر عن الانقياد للرسل ، بزعمه أنهم بشر ، ورضي أن يعبد ويدعو الشجر ، والحجر ، استكبر عن الإخلاص للملك الرحمن الديان ، ورضي بعبادة من ضره أقرب من نفعه ، طاعة لأعدى عدو له وهو الشيطان . وقوله :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
. يحتمل أن الضمير في هذا الموضع ، يعود إلى المشركين ، لأنهم مذكورون في اللفظ . والقاعدة في الضمائر ، أن تعود إلى أقرب مذكور . ويكون المعنى : إذا كان يوم القيامة ، وفزع عن قلوب المشركين ، أي : زال الفزع ، وسئلوا حين رجعت إليهم عقولهم ، عن حالهم في الدنيا ، وتكذيبهم للحق الذي جاءت به الرسل ، أنهم يقرون أن ما هم عليه من الكفر والشرك باطل ، وأن ما قال اللّه ، وأخبرت به عنه رسله ، هو الحق
بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
وعملوا أن الحق للّه ، واعترفوا بذنوبهم .
وَهُوَ الْعَلِيُّ
بذاته ، فوق جميع المخلوقات ، وقهره لهم ، وعلو قدره ، بما له من الصفات العظيمة ، الجليلة المقدار
الْكَبِيرُ
في ذاته وصفاته . ومن علوه ، أن حكمه تعالى يعلو ، وتذعن له النفوس ، حتى نفوس المتكبرين والمشركين . وهذا المعنى أظهر ، وهو الذي يدل عليه السياق . ويحتمل أن الضمير يعود إلى الملائكة ، وذلك أن اللّه تعالى إذا تكلم بالوحي ، سمعته الملائكة ، فصعقوا وخروا للّه سجدا . فيكون أوّل من يرفع رأسه ، جبريل فيكلمه اللّه من وحيه بما أراد . فإذا زال الصعق عن قلوب الملائكة ، وزال الفزع فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك الكلام ، الذي صعقوا منه : ما ذا قال ربكم ؟ فيقول بعضهم لبعض : قال الحق ، إما إجمالا ، لعلمهم أنه لا يقول إلا حقا . وإما أن يقولوا : قال كذا وكذا ، للكلام الذي سمعوه منه ، وذلك من الحق . فيكون المعنى على هذا : أن المشركين الّذين عبدوا مع اللّه تلك الآلهة ، الّتي وصفنا لكم عجزها ونقصها ، وعدم نفعها بوجه من الوجوه ، كيف صدفوا وصرفوا عن إخلاص العبادة للرب العظيم ، العلي الكبير ، الذي - من عظمته وجلاله - أن الملائكة الكرام ، والمقربين من الخلق ، يبلغ بهم الخضوع والصعق ، عند سماع كلامه هذا المبلغ ، ويقرون كلهم للّه ، أنه لا يقول إلا الحق . فما بال هؤلاء المشركين ، استكبروا عن عبادة من هذا شأنه ، وعظمة ملكه وسلطانه . فتعالى العلي الكبير ، عن شرك المشركين ، وإفكهم ، وكذبهم . [ 24 ] يأمر تعالى ، نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يقول لمن أشرك باللّه ويسأله عن صحة شركه :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فإنهم ، لا بد أن يقروا أنه اللّه . ولئن لم يقروا
قُلِ اللَّهُ
فإنك لا تجد من يدفع هذا القول . فإذا تبيّن أن اللّه وحده ، الذي يرزقكم من السماوات والأرض ، وينزل لكم المطر ، وينبت لكم النبات ، ويفجر لكم الأنهار ، ويطلع لكم من ثمار الأشجار ، وجعل لكم الحيوانات جميعها ، لنفعكم ورزقكم ، فلم تعبدون من لا يرزقكم شيئا ، ولا يفيدكم نفعا ؟ وقوله :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي : إحدى الطائفتين ، منا ومنكم ، على الهدى ، مستعلية عليه ، أو في ضلال بين ، منغمرة فيه ، وهذا الكلام ، يقوله من تبيّن له الحق ، واتضح له الصواب ، وجزم بالحق الذي هو عليه ، وبطلان ما عليه خصمه . أي : قد شرحنا من الأدلة الواضحة ، عندنا وعندكم ، ما به يعلم علما يقينيا لا شك فيه ، من المحق منّا ، ومن المبطل ، ومن المهتدي ومن الضال ؟ حتى إنه يصير اليقين بعد ذلك ، لا فائدة فيه . فإنك إذا وازنت بين من يدعو إلى عبادة الخالق ، بسائر المخلوقات المتصرف فيها بجميع أنواع التصرفات ، المسدي جميع النعم ، الذي رزقهم ، وأوصل إليهم كلّ نعمة ، ودفع عنهم كلّ نقمة ، الذي له الحمد كله ، والملك كله ، وكلّ أحد من الملائكة فمن دونهم ، خاضعون لهيبته ، متذللون لعظمته ، وكلّ الشفعاء ، تخافه ، لا يشفع أحد منهم عنده إلا بإذنه . العلي الكبير ، في ذاته ، وأوصافه ، وأفعاله ، الذي له كلّ كمال ، وكل جلال ، وكلّ جمال ، وكلّ حمد وثناء ومجد . يدعو إلى التقرب لمن هذا شأنه ، وإخلاص العمل له ، وينهي عن عبادة من سواه ، وبين من يتقرب إلى أوثان ، وأصنام ، وقبور ، لا تخلق ، ولا ترزق ، ولا تملك لأنفسها ، ولا لمن عبدها ،