تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 813

مساهمون:

ص٨١٣
[ 20 ] ثمّ ذكر أن قوم سبأ من الّذين صدّق عليهم إبليس ظنه ، حيث قال لربه :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 83 ) . وهذا ظن من إبليس ، لا يقين ؛ لأنه لا يعلم الغيب ، ولم يأته خبر من اللّه أنه سيغويهم أجمعين ، إلا من استثنى . فهؤلاء وأمثالهم ، ممن صدق عليه إبليس ظنه ، ودعاهم وأغواهم
فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ممن لم يكفر بنعمة اللّه ، فإنه لم يدخل تحت ظن إبليس . ويحتمل أن قصة سبأ ، انتهت عند قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
. ثمّ ابتدأ فقال :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ
أي : على جنس الناس ، فتكون الآية عامة ، في كلّ من اتبعه . [ 21 ] ثمّ قال تعالى :
وَما كانَ لَهُ
أي : لإبليس
عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ
أي : تسلط ، وقهر ، وقسر على ما يريده منهم ، ولكن حكمة اللّه تعالى ، اقتضت تسليطه ، وتسويله لبني آدم .
لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ
أي : ليقوم سوق الامتحان ، ويعلم به الصادق من الكاذب ، ويعرف من كان إيمانه صحيحا ، يثبت عند الامتحان والاختبار ، وإلقاء الشبه الشيطانية ، ممن إيمانه غير ثابت ، يتزلزل بأدنى شبهة ، ويزول بأقل داع يدعوه إلى ضده . فاللّه تعالى جعله امتحانا ، يمتحن به عباده ، ويظهر الخبيث من الطيب .
وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
يحفظ العباد ، ويحفظ عليهم أعمالهم ، ويحفظ تعالى جزاءها ، فيوفيهم إياها ، كاملة موفرة . [ 22 ] أي :
قُلِ
يا أيها الرسول ، للمشركين باللّه غيره من المخلوقات ، الّتي لا تنفع ولا تضر ، ملزما لهم بعجزها ، ومبينا بطلان عبادتها :
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : زعمتموهم شركاء للّه ، إن كان دعاؤكم ينفع ، فإنهم قد توفرت فيهم أسباب العجز ، وعدم إجابة الدعاء من كلّ وجه . فإنهم ليس لهم أدنى ملك
لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
على وجه الاستقلال ، ولا على وجه الاشتراك ، ولهذا قال :
وَما لَهُمْ
أي : لتلك الآلهة الّذين زعمتم
فِيهِما
أي : في السماوات والأرض .
مِنْ شِرْكٍ
أي : لا شرك قليل ولا كثير ، فليس لهم ملك ، ولا شركة ملك . بقي أن يقال : ومع ذلك ، فقد يكونون أعوانا للمالك ، ووزراء له ، فدعاؤهم يكون نافعا ، لأنهم - بسبب حاجة الملك إليهم - يقضون حوائج من تعلق بهم . فنفى تعالى هذه المرتبة فقال :
وَما لَهُ
أي : للّه تعالى الواحد القهار
مِنْهُمْ
أي : من هؤلاء المعبودين
مِنْ ظَهِيرٍ
أي : معاون ووزير ، يساعده على الملك والتدبير . [ 23 ] فلم يبق إلا الشفاعة ، فنفاها بقوله :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
. فهذه أنواع التعلقات ، الّتي يتعلق بها المشركون بأندادهم ، وأوثانهم ، من البشر ، والشجر ، وغيرهم ، قطعها اللّه وبيّن بطلانها ، تبيينا حاسما لمواد الشرك ، قاطعا لأصوله . لأن المشرك ، إنّما يدعو ويعبد غير اللّه ، لما يرجو منه من النفع ، فهذا الرجاء ، هو الذي أوجب له الشرك . فإذا كان من يدعوه غير اللّه ، لا مالكا للنفع والضر ، ولا شريكا للمالك ، ولا عونا وظهيرا للمالك ، ولا يقدر أن يشفع بدون إذن المالك ، كان هذا الدعاء ، وهذه العبادة ، ضلالا في العقل ، باطلة في الشرع . بل ينعكس على المشرك مطلوبه ، ومقصوده ، فإنه يريد منها النفع ، فبيّن اللّه بطلانه ، وعدمه ، وبيّن في آيات أخر ،