تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 811

مساهمون:

ص٨١١
ذلك من خصائصه الّتي لم تكن لأحد قبله ولا بعده ، وأن ذلك يكون منهضا له ولغيره ، على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات والحيوانات ، تتجاوب بتسبيح ربها ، وتمجيده ، وتكبيره ، وتحميده ، كان ذلك مما يهيج على ذكر اللّه تعالى . ومنها : أن ذلك - كما قال كثير من العلماء ، أنه طرب لصوت داود . فإن اللّه تعالى ، قد أعطاه من حسن الصوت ، ما فاق به غيره ، وكان إذا رجّع التسبيح والتهليل والتمجيد بذلك الصوت الرخيم الشجي المطرب ، طرب كلّ من سمعه ، من الإنس ، والجن ، حتى الطيور والجبال ، وسبحت بحمد ربها . ومنها : أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها ، لأنه سبب ذلك ، وتسبح تبعا له . ومن فضله عليه ، أن ألان له الحديد ، ليعمل الدروع السابغات ، وعلّمه تعالى كيفية صنعته ، بأن يقدره في السرد ، أي : يقدره حلقا ، ويصنعه كذلك ، ثمّ يدخل بعضها ببعض . قال تعالى :
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
( 80 ) ولما ذكر ما امتنّ به عليه وعلى آله ، أمره بشكره ، وأن يعملوا صالحا ، ويراقبوا اللّه تعالى فيه ، بإصلاحه وحفظه من المفسدات ، فإنه بصير بأعمالهم ، مطلع عليهم ، لا يخفى عليه منها شيء . [ 12 ] لما ذكر فضله على داود عليه السّلام ، ذكر فضله على ابنه سليمان ، عليه الصلاة والسّلام ، وأن اللّه سخر له الريح تجري بأمره ، وتحمله ، وتحمل جميع ما معه ، وتقطع المسافة البعيدة جدا ، في مدة يسيرة ، فتسير في اليوم ، مسيرة شهرين .
غُدُوُّها شَهْرٌ
أي : أوّل النهار إلى الزوال
وَرَواحُها شَهْرٌ
أي الزوال ، إلى آخر النهار
وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ
أي : سخرنا له عين النحاس ، وسهلنا له الأسباب ، في استخراج ما يستخرج منها من الأواني وغيرها . [ 13 ] وسخر اللّه له أيضا ، الشياطين والجن ، لا يقدرون أن يستعصوا عن أمره ،
وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ
وأعمالهم ، كل ما شاء سليمان عملوه .
مِنْ مَحارِيبَ
وهو : كل بناء يعقد ، وتحكم به الأبنية ، فهذا فيه ، ذكر الأبنية الفخمة .
وَتَماثِيلَ
أي : صور الحيوانات والجمادات ، من إتقان صنعتهم ، وقدرتهم على ذلك .
وَجِفانٍ كَالْجَوابِ
أي : كالبرك الكبار ، يعملونها لسليمان للطعام ، لأنه يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه غيره .
وَ
يعملون له من
قُدُورٍ راسِياتٍ
لا تزول عن أماكنها ، من عظمها . فلما ذكر منته عليهم ، أمرهم بشكرها فقال :
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ
وهم داود ، وأولاده ، وأهله ، لأن المنّة على الجميع ، وكثير من هذه المصالح عائد لكلهم .
شُكْراً
للّه على ما أعطاهم ، ومقابلة لما أولاهم .
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
فأكثرهم ، لم يشكروا اللّه تعالى على ما أولاهم ، من النّعم ، ودفع عنهم من النقم . والشكر : اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى ، وتلقيها افتقارا إليها ، وصرفها في طاعة اللّه تعالى ، وصونها عن صرفها في المعصية . فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان ، عليه السّلام ، كل بناء . وكانوا قد موهوا على الإنس ، وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب ، ويطلعون على المكنونات . فأراد اللّه تعالى أن يري العباد كذبهم في هذه الدعوى ، فمكثوا يعملون على عملهم . وقضى اللّه بالموت على سليمان عليه السّلام ، واتّكا على عصاه ، وهي المنسأة . فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها ، ظنوه حيا ، وهابوه . [ 14 ] فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل ، حتى سلطت دابة الأرض على عصاه ، فلم تزل ترعاها ، حتى بادت ، وسقطت ، فسقط سليمان وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن
أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
وهو العمل الشاق عليهم . فلو علموا الغيب ، لعلموا موت سليمان ، الذي هم أحرص شيء عليه ، ليسلموا مما هم فيه . [ 15 - 18 ] سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن ، ومسكنهم بلدة يقال لها « مأرب » . ومن نعم اللّه ولطفه بالناس عموما ، وبالعرب خصوصا ، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين ، ممن كان يجاور العرب ، ويشاهد آثارهم ، ويتناقل الناس أخبارهم ، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق ، وأقرب للموعظة فقال :
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ
أي : محلهم الذي يسكنون فيه
آيَةٌ
. والآية هنا : ما أدرّ اللّه عليهم من النّعم ، وصرف عنهم من النقم ، الذي
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 811 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي