تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 816

مساهمون:

ص٨١٦
كنت صادقا ، فأخبرنا بأية ساعة يصل إلينا ، وأين مكانه الآن ؟ فهل يعد هذا القائل عاقلا ، أم يحكم بسفهه وجنونه ؟ هذا ، والمخبر يمكن صدقه وكذبه ، والعدو قد يبدو له غيرهم ، وقد تنحل عزيمته . وهم قد يكون بهم منعة ، يدافعون بها عن أنفسهم . فكيف بمن كذّب أصدق الخلق ، المعصوم في خبره ، الذي لا ينطق عن الهوى ، بالعذاب اليقين ، الذي لا مدفع له ، ولا ناصر منه ؟ أليس رد خبره ، بحجة عدم بيان وقت وقوعه ، من أسفه السفه ؟ [ 30 ]
قُلْ
لهم - مخبرا بوقت وقوعه ، الذي لا شك فيه - :
لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ
فاحذروا ذلك اليوم ، وأعدوا له عدته . [ 31 ] لما ذكر تعالى ، أن ميعاد المستعجلين بالعذاب ، لا بد من وقوعه عند حلول أجله ؛ ذكر هنا ، حالهم في ذلك اليوم ، وأنك لو رأيت حالهم ، إذ وقفوا عند ربهم ، واجتمع الرؤساء والأتباع في الكفر والضلال ، لرأيت أمرا عظيما وهولا جسيما . ورأيت كيف يتراجعون ، ويرجع بعضهم إلى بعض القول .
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
وهم الأتباع
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
وهم القادة .
لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
ولكنكم حلتم بيننا وبين الإيمان ، وزينتم لنا الكفران ، فتبعناكم على ذلك . ومقصودهم بذلك ، أن يكون العذاب على الرؤساء ، دونهم . [ 32 ]
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
مستفهمين لهم ومخبرين أن الجميع مشتركون في الجرم :
أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ
أي : بقوتنا وقهرنا إياكم .
بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ
أي : مختارين للإجرام ، لستم مقهورين عليه ، وإن كنا قد زينا لكم ، فما كان لنا عليكم من سلطان . [ 33 ]
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً
أي : بل الذي دهانا منكم ، ووصل إلينا من إضلالكم ، ما دبرتموه من المكر ، في الليل والنهار ، إذ تحسّنون لنا الكفر ، وتدعوننا إليه ، وتقولون : إنه الحق ، وتقدحون في الحق ، وتهجنونه ، وتزعمون أنه الباطل . فما زال مكركم بنا ، وكيدكم إيانا ، حتى أغويتمونا وفتنتمونا . فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئا إلا براءة بعضهم من بعض ، والندامة العظيمة ، ولهذا قال :
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
أي : زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم ، لينجو من العذاب ، وعلم أنه ظالم مستحق له . فندم كلّ منهم غاية الندم ، وتمنى أن لو كان على الحق ، وأنه ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب ، سرا في أنفسهم ، لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم . وفي بعض مواقف القيامة ، وعند دخولهم النار يظهرون ذلك الندم جهرا .
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
( 28 ) الآيات .
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 10 ) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
( 11 ) .
وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا
يغلون كما يغل المسجون ، الذي سيهان في سجنه كما قال تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
( 72 ) الآيات .
هَلْ يُجْزَوْنَ
في هذا