تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 752

مساهمون:

ص٧٥٢
[ 8 ] أي : وأمرنا الإنسان ، ووصيناه ، بوالديه حسنا ، أي : ببرهما ، والإحسان إليهما ، بالقول والعمل ، وأن يحافظ على ذلك ، ولا يعقهما ، ويسيء إليها ، في قوله وعمله .
وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
، وليس لأحد علم بصحة الشرك باللّه ، وهذا تعظيم لأمر الشرك .
فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فأجازيكم بأعمالكم . فبروا والديكم وقدموا طاعتهما ، إلا على طاعة اللّه ورسوله ، فإنها مقدمة على كل شيء . [ 9 ] أي : من آمن باللّه ، وعمل صالحا ، فإن اللّه وعده ، أن يدخله الجنة في جملة عباد اللّه الصالحين ، من النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، كل على حسب درجته ، ومرتبته عند اللّه . فالإيمان الصحيح ، والعمل الصالح ، عنوان على سعادة صاحبه ، وأنه من أهل الرحمن ، ومن الصالحين من عباد اللّه . [ 10 ] لما ذكر تعالى ، أنه لا بد أن يمتحن من ادّعى الإيمان ، ليظهر الصادق من الكاذب ، بيّن تعالى أن من الناس فريقا ، لا صبر لهم على المحن ، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ
بضرب ، أو أخذ مال ، أو تعيير ، ليرتد عن دينه ، وليراجع الباطل .
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
أي : يجعلها صادّة له عن الإيمان ، والثبات عليه ، كما أن العذاب صادّ عمّا هو سببه .
وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ
، لأنه موافق للهوى ، فهذا الصنف من الناس من الذين قال اللّه فيهم :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
( 11 ) .
أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ
حيث أخبركم بهذا الفريق ، الذي حاله كما وصف لكم ، فتعرفون بذلك ، كمال علمه ، وسعة حكمته . [ 11 ]
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
( 11 ) أي : فلذلك قدّر محنا وابتلاء ، ليظهر علمه فيهم ، فيجازيهم بما ظهر منهم ، لا بما يعلمه بمجرده ، لأنهم قد يحتجون على اللّه ، أنهم لو ابتلوا ، لثبتوا . [ 12 - 13 ] يخبر تعالى عن افتراء الكفار ودعوتهم للمؤمنين إلى دينهم ، وفي ضمن ذلك ، تحذير المؤمنين ، من الاغترار بهم ، والوقوع في مكرهم فقال :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا
فاتركوا دينكم أو بعضه ، واتبعونا في ديننا ، فإننا نضمن لكم الأمر
وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ
. وهذا الأمر ليس بأيديهم ، فلهذا قال :
وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ
لا قليل ولا كثير . فهذا التحمل ، ولو رضي به صاحبه ، فإنه لا يفيد شيئا ، فإن الحق للّه واللّه تعالى لم يمكن العبد من التصرف في حقه ، إلا بأمره وحكمه ، وحكمه
أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
( 38 ) . ولما كان قوله :
وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ
قد يتوهم منه أيضا ، أن الكفار الداعين إلى كفرهم - ونحوهم ممن دعا إلى باطله - ليس عليهم إلا ذنبهم ، الذي ارتكبوه ، دون الذنب الذي فعله غيرهم ، ولو كانوا متسببين فيه ، قال محترزا عن هذا الوهم :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ
أي : أثقال ذنوبهم التي عملوها
وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
وهي الذنوب التي حصلت بسببهم ، ومن جرائمهم . وفالذنب الذي فعله التابع ، لكل من التابع والمتبوع حصة منه حصلت ، هذا لأنه
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 752 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي