تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 749

مساهمون:

ص٧٤٩
يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ
أي : يضيق الرزق على من يشاء ، فعلمنا حينئذ ، أن بسطه لقارون ، ليس دليلا على خير فيه ، وأننا غالطون في قولنا :
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
. و
لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا
فلم يعاقبنا على ما قلنا ، فلولا فضله ومنته
لَخَسَفَ بِنا
فصار هلاك قارون ، عقوبة له ، وعبرة وموعظة لغيره ، حتى إن الذين غبطوه ، سمعت كيف ندموا ، وتغير فكرهم الأول .
وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
أي : لا في الدنيا ولا في الآخرة . [ 83 ] لما ذكر تعالى ، قارون وما أوتيه من الدنيا ، وما صارت إليه عاقبة أمره ، وأن أهل العلم قالوا :
ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
رغب تعالى في الدار الآخرة ، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت بها رسله ، التي جمعت كل نعيم ، واندفع عنها كل مكدر ومنغص .
نَجْعَلُها
دارا وقرارا
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
أي : ليس لهم إرادة فكيف العمل للعلو في الأرض ، على عباد اللّه ، والتكبر عليهم وعلى الحق
وَلا فَساداً
وهذا شامل لجميع المعاصي . فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض ، ولا الفساد ، لزم من ذلك ، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه ، وقصدهم الدار الآخرة ، وحالهم التواضع لعباد اللّه ، والانقياد للحق والعمل الصالح . وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة الحسنى ، ولهذا قال :
وَالْعاقِبَةُ
أي : حالة الفلاح والنجاح ، التي تستقر وتستمر ، لمن اتقى اللّه تعالى . وغيرهم - وإن حصل لهم بعض الظهور والراحة - فإنه لا يطول وقته ، ويزول عن قريب . وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة ، أن الذين يريدون العلو في الأرض ، أو الفساد ، ليس لهم في الدار الآخرة ، نصيب ، ولا لهم منها حظ . [ 84 ] يخبر تعالى عن مضاعفة فضله ، وتمام عدله فقال :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ
شرط فيها أن يأتي بها العامل ، لأنه قد يعملها ، ولكن يقترن بها ما لا تقبل منه ، أو يبطلها ، فهذا لم يجئ بالحسنة . والحسنة ، اسم جنس يشمل جميع ما أمر اللّه به ورسوله ، من الأقوال والأعمال الظاهرة ، والباطنة ، المتعلقة بحقه تعالى ، وحقوق العباد
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
أي : أعظم وأجلّ ، وفي الآية الأخرى
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
. هذا التضعيف للحسنة ، لا بد منه ، وقد يقترن بذلك من الأسباب ، ما تزيد به المضاعفة كما قال تعالى :
وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
بحسب حال العامل وعمله ، ونفعه ، ومحله ، ومكانه .
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ
وهي كل ما نهى الشارع عنه ، نهي تحريم .
فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
كقوله تعالى :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
. [ 85 ] يقول تعالى :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ
أي : نزله ، وفرض فيه الأحكام ، وبيّن فيه الحلال والحرام ، وأمرك بتبليغه للعالمين ، والدعوة لأحكامه ، جميع المكلفين ، لا يليق بحكمته ، أن تكون هي الحياة الدنيا فقط ، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا . بل لا بد أن يردك إلى معاد ، يجازى فيه المحسنون بإحسانهم ، والمسيئون بمعصيتهم . وقد بيّنت لهم الهدى ، وأوضحت لهم المنهج . فإن تبعوك ، فذلك حظهم وسعادتهم . وإن أبوا إلا عصيانك ، والقدح بما جئت به من الهدى ، وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق ، فلم يبق للمجادلة محل ، ولم يبق