تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 755

مساهمون:

ص٧٥٥
تواصوا وحث بعضهم بعضا على التكذيب . [ 25 ]
وَقالَ
لهم إبراهيم في جملة ما قاله من نصحه :
إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : غاية ذلك ، مودة في الدنيا ستنقطع وتضمحل .
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
أي : يتبرأ كل من العابدين والمعبودين ، من الآخر
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
( 6 ) . فكيف تتعلقون بمن يعلم أنه سيتبرأ من عابديه ويلعنهم ؟
وَ
أن
مَأْواكُمُ
جميعا ، العابدين والمعبودين
النَّارُ
. وليس أحد ، ينصرهم من عذاب اللّه ، ولا يدفع عنهم عقابه . [ 26 ] أي : لم يزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، يدعو قومه ، وهم مستمرون على عنادهم ، إلا أنه آمن له بدعوته لوط ، الذي نبأه اللّه ، وأرسله إلى قومه كما سيأتي ذكره .
وَقالَ
إبراهيم حين رأى أن دعوة قومه لا تفيد شيئا :
إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي
أي : هاجر أرض السوء ، ومهاجر إلى الأرض المباركة ، وهي الشام .
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
أي : الذي له القوة ، وهو يقدر على هدايتكم . ولكنه
الْحَكِيمُ
ما اقتضت حكمته ذلك . ولما اعتزلهم وفارقهم ، وهم بحالهم ، لم يذكر اللّه عنهم ، أنه أهلكهم بعذاب . بل ذكر اعتزاله إياهم ، وهجرته من بين أظهرهم . فأما ما يذكر في الإسرائيليات ، أن اللّه تعالى فتح على قومه باب البعوض ، فشرب دماءهم ، وأكل لحومهم ، وأتلفهم عن آخرهم ، فهذا يتوقف الجزم به ، على الدليل الشرعي ، ولم يوجد . فلو كان اللّه استأصلهم بالعذاب لذكره ، كما ذكر إهلاك الأمم المكذبة . ولكن هل من أسرار ذلك ، أن الخليل عليه السلام ، من أرحم الخلق ، وأفضلهم وأحلمهم ، وأجلهم ، فلم يدع على قومه ، كما دعا غيره ، ولم يكن اللّه ليجري عليهم بسببه ، عذابا عاما ؟ ومما يدل على ذلك ، أنه راجع الملائكة في إهلاك قوم لوط ، وجادلهم ، ودافع عنهم ، وهم ليسوا قومه ، واللّه أعلم بالحال . [ 27 ]
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
أي : بعد ما هاجر إلى الشام
وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
. فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته ، ولا نزل كتاب إلا على ذريته ، حتى ختموا بابنه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعليهم أجمعين . وهذا من أعظم المناقب والمفاخر ، أن تكون مواد الهداية والرحمة ، والسعادة ، والفلاح ، والفوز ، في ذريّته ، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون ، وآمن المؤمنون ، وصلح الصالحون :
وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا
من الزوجة الجميلة ، فائقة الجمال ، والرزق الواسع ، والأولاد ، الذين بهم قرت عينه ، ومعرفة اللّه ومحبته ، والإنابة إليه .
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
بل وهو ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، أفضل الصالحين على الإطلاق ، وأعلاهم منزلة ، فجمع اللّه له بين سعادة الدنيا والآخرة . [ 28 - 31 ] تقدم أن لوطا عليه السلام ، آمن لإبراهيم ، وصار من المهتدين به . وقد ذكروا ، أنه ليس من ذرية إبراهيم ، وإنما هو ابن أخي إبراهيم . فقوله تعالى :
وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
وإن كان عاما ، فلا يناقض كون لوط ، نبيا رسولا وهو ليس من ذريته ، لأن الآية ، جيء بها ، لسياق المدح والثناء ، على الخليل . وقد أخبر أن لوطا ، اهتدى على يديه . ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي ، واللّه أعلم .