تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 754

مساهمون:

ص٧٥٤
لا شريك له ، لكونه الكامل النافع الضار ، المتفرد بالتدبير .
وَاشْكُرُوا لَهُ
وحده ، لكون جميع ما وصل ويصل إلى الخلق ، من النعم ، فمنه . وجميع ما اندفع ، ويندفع من النقم عنهم ، فهو الدافع لها .
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فيجازيكم على ما عملتم ، وينبئكم بما أسررتم وأعلنتم . فاحذروا القدوم عليه وأنتم على شرككم ، وارغبوا فيما يقربكم إليه ، ويثيبكم - عند القدوم - عليه . [ 19 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
يوم القيامة
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
. كما قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
. [ 20 ]
قُلْ
لهم ، إن حصل معهم ريب وشك في الابتداء :
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
بأبدانكم وقلوبكم
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ
فإنكم ستجدون أمما من الآدميين ، لا تزال توجد شيئا فشيئا ، وتجدون النبات والأشجار ، كيف تحدث ، وقتا بعد وقت ، وتجدون السحاب والرياح ونحوها ، مستمرة في تجددها . بل الخلق دائما في بدء وإعادة . فانظروا إليهم وقت موتتهم الصغرى - النوم - وقد هجم عليهم الليل بظلامه ، فسكنت منهم الحركات ، وانقطعت منهم الأصوات ، وصاروا في فرشهم ومأواهم كالميتين . ثم إنهم لم يزالوا على ذلك ، طول ليلهم ، حتى تنفلق الأصباح ، فانتبهوا من رقدتهم ، وبعثوا من موتتهم ، قائلين : « الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور » ولهذا قال :
ثُمَّ اللَّهُ
بعد الإعادة
يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
وهي النشأة التي لا تقبل موتا ، ولا نوما ، وإنما هو الخلود والدوام ، في إحدى الدارين .
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فقدرته تعالى ، لا يعجزها شيء ، وكما قدر بها على ابتداء الخلق ، فقدرته على الإعادة ، من باب أولى وأخرى . [ 21 ]
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ
أي : هو المنفرد بالحكم الجزائي ، وهو : إثابة الطائعين ، ورحمتهم ، وتعذيب العاصين والتنكيل بهم .
وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ
أي : ترجعون إلى الدار ، التي بها تجري عليكم أحكام عذابه ورحمته . فاكتسبوا في هذه الدار ، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات . وابتعدوا عن أسباب عذابه ، وهي المعاصي . [ 22 ]
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
أي : يا هؤلاء المكذبين ، المتجرئين على المعاصي ، لا تحسبوا أنه مغفول عنكم ، أو أنكم معجزون للّه في الأرض ، ولا في السماء . فلا تغرنكم قدرتكم ، وما زينت لكم أنفسكم ، وخدعتكم ، من النجاة من عذاب اللّه فلستم بمعجزين اللّه ، في جميع أقطار العالم .
وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ
يتولاكم ، فيحصل لكم مصالح دينكم ودنياكم .
وَلا نَصِيرٍ
ينصركم ، فيدفع عنكم المكاره . [ 23 ] يخبر تعالى ، من هم الذين زال عنهم الخير ، وحصل لهم الشر . وأنهم الذين كفروا به وبرسله ، وبما جاءوهم به ، وكذّبوا بلقاء اللّه . فليس عندهم ، إلا الدنيا ، فلذلك أقدموا ، على ما أقدموا عليه ، من الشرك والمعاصي ، لأنه ليس في قلوبهم ، ما يخوفهم من عاقبة ذلك ولهذا قال :
أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي
أي : فلذلك لم يعملوا سببا واحدا ، يحصلون به الرحمة . وإلا ، فلو طمعوا في رحمته ، لعملوا لذلك أعمالا . والإياس من رحمة اللّه ، من أعظم المحاذير ، وهو نوعان : إياس الكفار منها ، وتركهم كل سبب يقربهم منها . وإياس العصاة ، بسبب كثرة جناياتهم ، أوحشتهم ، فملكت قلوبهم ، فأحدث لها الإياس .
وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : مؤلم موجع . وكأن هذه الآيات ، معترضات ، بين كلام إبراهيم لقومه ، وردهم عليه ، واللّه أعلم بذلك . [ 24 ] أي : فما كان مجاوبة قوم إبراهيم لإبراهيم ، حين دعاهم إلى ربه ، قبول دعوته ، والاهتداء بنصحه ، ورؤية نعمة اللّه عليهم بإرساله إليهم . وإنما كان مجاوبتهم له ، شر مجاوبة .
قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ
أشنع القتلات ، وهم أناس مقتدرون ، لهم السلطان ، فألقوه في النار
فَأَنْجاهُ اللَّهُ
منها .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فيعلمون صحة ما جاءت به الرسل ، وبرّهم ونصحهم ، وبطلان قول من خالفهم ، وناقضهم وأن المعارضين للرسل ، كأنهم