تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 748

مساهمون:

ص٧٤٨
مِنَ الدُّنْيا
أي : لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك ، وتبقى ضائعا ، بل أنفق لآخرتك ، واستمتع بدنياك ، استمتاعا لا يثلم دينك ، ولا يضر بآخرتك .
وَأَحْسِنْ
إلى عباد اللّه
كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
بهذه الأموال .
وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ
بالتكبر ، والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم .
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
بل يعاقبهم على ذلك ، أشد العقوبة . [ 78 ]
قالَ
قارون - رادا لنصيحتهم ، كافرا بنعمة ربه - :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
أي : إنّما أدركت هذه الأموال ، بكسبي ، ومعرفتي بوجوه المكاسب ، وحذقي . أو على علم من اللّه بحالي ، يعلم أني أهل لذلك ، فلم تنصحوني على ما أعطاني اللّه ؟ قال تعالى - مبينا أن عطاءه ، ليس دليلا على حسن حال المعطي :
أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً
فما المانع من إهلاك قرون أخرى ، مع مضيّ عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم منه ، إذا فعل ما يوجب الهلاك ؟
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
بل يعاقبهم اللّه ، ويعذبهم على ما يعلمه منهم . فهم ، وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة ، وشهدوا لها بالنجاة ، فليس قولهم مقبولا ، وليس ذلك رادا عنهم من العذاب شيئا ، لأن ذنوبهم غير خفية ، فإنكارهم لا محل له . فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه ، وعدم قبول نصيحة قومه ، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه ، وغره ما أوتيه من الأموال . [ 79 ]
فَخَرَجَ
ذات يوم
عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ
أي : بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه ، قد كان له من الأموال ما كان ، وقد استعد وتجمّل بأعظم ما يمكنه . وتلك الزينة في العادة ، من مثله ، تكون هائلة ، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها . فرمقته في تلك الحالة العيون ، وملأت بزّته القلوب ، واختلبت زينته النفوس . فانقسم فيه الناظرون قسمين ، كل تكلّم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة .
قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا
أي : الّذين تعلقت إرادتهم فيها ، وصارت منتهى رغبتهم ليس لهم إرادة في سواها :
يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ
من الدنيا ومتاعها وزهرتها
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
. وصدقوا إنه لذو حظ عظيم ، لو كان الأمر منتهيا إلى رغباتهم ، وأنه ليس وراء الدنيا ، دار أخرى ، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا ، واقتدر بذلك على جميع مطالبه ، فصار هذا الحظ العظيم بحسب همتهم ، وإن همة جعلت هذا غاية مرادها ، ومنتهى مطلبها لمن أدنى الهمم ، وأسفلها ، وأدناها ، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية ، والمطالب الغالية . [ 80 ]
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
الّذين عرفوا حقائق الأشياء ، ونظروا إلى باطن الدنيا ، حين نظر أولئك إلى ظاهرها :
وَيْلَكُمْ
متوجعين مما تمنوا لأنفسهم ، راثين لحالهم ، منكرين لمقالهم .
ثَوابُ اللَّهِ
العاجل ، من لذة العبادة ومحبته ، والإنابة إليه ، والإقبال عليه . والآجل من الجنة ، وما فيها ، مما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين
خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه ، فهذه حقيقة الأمر . ولكن ما كلّ من يعلم ذلك يقبل عليه ، فما يلقّى ذلك ويوفق له
إِلَّا الصَّابِرُونَ
الّذين حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه ، وعن معصيته ، وعلى أقداره المؤلمة ، وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها ، أن تشغلهم عن ربهم ، وأن تحول بينهم ، وبين ما خلقوا له . فهؤلاء الّذين يؤثرون ثواب اللّه على الدنيا الفانية . [ 81 ] فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر ، وازّيّنت الدنيا عنده ، وكثر بها إعجابه ، بغتة العذاب
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ
جزاء من جنس عمله . فكما رفع نفسه على عباد اللّه ، أنزله اللّه أسفل سافلين ، هو ما اغتر به ، من داره ، وأثاثه ، ومتاعه .
فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ
أي : جماعة ، وعصبة ، وخدم ، وجنود
يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ
أي : جاءه العذاب ، فما نصر ، ولا انتصر . [ 82 ]
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ
أي : الذي يريدون الحياة الدنيا ، الّذين قالوا :
يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ
.
يَقُولُونَ
متوجعين ومعتبرين ، وخائفين من وقوع العذاب بهم :
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 748 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي