تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 724

مساهمون:

ص٧٢٤
أوليائه .
وَمَكَرْنا مَكْراً
بنصر نبينا صالح ، عليه السلام ، وتيسير أمره ، وإهلاك قومه المكذبين
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
. [ 51 ]
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ
هل حصل مقصودهم ؟ وأدركوا بذلك المكر مطلوبهم ، أم انتقض عليهم الأمر . ولهذا قال :
أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
أهلكناهم ، واستأصلنا شأفتهم . فجاءتهم صيحة عذاب ، فأهلكوا عن آخرهم . [ 52 ]
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً
قد تهدمت جدرانها على سقوفها ، وأوحشت من ساكنيها ، وعطلت من نازليها .
بِما ظَلَمُوا
أي : هذا عاقبة ظلمهم وشركهم باللّه ، وبغيهم في الأرض .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الحقائق ، ويتدبرون وقائع اللّه ، في أوليائه وأعدائه فيعتبرون بذلك ، ويعلمون أن عاقبة الظلم ، الدمار والهلاك ، وأن عاقبة الإيمان والعدل ، النجاة والفوز . ولهذا قال : [ 53 ]
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
( 53 ) أي : أنجينا المؤمنين باللّه ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر ، خيره ، وشره ، وكانوا يتقون الشرك باللّه ، والمعاصي ، ويعلمون بطاعته ، وطاعة رسله . [ 54 ] أي : واذكر عبدنا ، ورسولنا ، لوطا ، ونبأه الفاضل ، حين قال لقومه - داعيا إلى اللّه ، وناصحا - :
أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ
أي : الفعلة الشنعاء ، التي تستفحشها العقول والفطر ، وتستقبحها الشرائع
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
ذلك ، وتعلمون قبحه ، فعاندتم ، وارتكبتم ذلك ، ظلما منكم ، وجرأة على اللّه . [ 55 ] ثم فسر تلك الفاحشة فقال :
أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ
، أي : كيف توصلتم إلى هذه الحال ، فصارت شهوتكم للرجال ، وأدبارهم ، محل الغائط والنّجو ، والخبث ، وتركتم ما خلق اللّه لكم ، من النساء ، من المحال الطيبة ، التي جبلت النفوس على الميل إليها . وأنتم انقلب عليكم الأمر ، فاستحسنتم القبيح ، واستقبحتم الحسن ،
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
متجاوزون لحدود اللّه ، متجرءون على محارمه . [ 56 ]
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ
قبول ولا انزجار ، ولا تذكر ، وادكار . إنما كان جوابهم ، المعارضة ، والمناقضة ، والتوعد لنبيهم الناصح ، ورسولهم الأمين ، بالإجلاء عن وطنه ، والتشريد عن بلده . فما كان جواب قومه
إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ
. فكأنه قيل : ما نقمتم منهم ، وما ذنبهم الذي أوجب له الإخراج . فقالوا :
إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ
أي : يتنزهون عن اللواط ، وأدبار الذكور . فقبحهم اللّه ، جعلوا أفضل الحسنات ، بمنزلة أقبح السيئات . ولم يكتفوا بمعصيتهم نبيهم ، وفيما وعظهم به ، حتى وصلوا إلى إخراجه والبلاء موكل بالمنطق ، فهم قالوا :
أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ
. ومفهوم هذا الكلام « وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة ، المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم ، ونجاة من خرج منها » . [ 57 ] ولهذا قال تعالى :
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ
( 57 ) ، وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف ، وسمع بهم قومه ، فجاءوا إليه يريدونهم بالشر ، وأغلق الباب دونهم ، واشتد الأمر عليه . ثم أخبرته