تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 727

مساهمون:

ص٧٢٧
الإخبار عن أحوال المكذبين بالإخبار كأنهم لا يدرون متى وقت الآخرة ، ثم الإخبار بضعف علمهم فيها ، ثم الإخبار بأنه شك ، ثم الإخبار بأنهم عمي ، ثم الإخبار بإنكارهم لذلك ، واستبعادهم وقوعه . أي : وبسبب هذه الأحوال ترحّل خوف الآخرة من قلوبهم ، فأقدموا على معاصي اللّه ، وسهل عليهم تكذيب الحق ، والتصديق بالباطل ، واستحلوا الشهوات على القيام بالعبادات ، فخسروا دنياهم وأخراهم . [ 69 ] نبههم على صدق ما أخبرت به الرسل فقال :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
( 69 ) فلا تجدون مجرما قد استمر على إجرامه . إلا وعاقبته شرّ عاقبة ، وقد أحل اللّه به من الشر والعقوبة ، ما يليق بحاله . [ 70 ] أي : لا تحزن يا محمد ، على هؤلاء المكذبين ، وعدم إيمانهم . فإنك لو علمت ما فيهم من الشر ، وأنهم لا يصلحون للخير ، لم تأس ولم تحزن ، ولا يضق صدرك ، ولا تقلق نفسك بمكرهم ، فإن مكرهم ستعود عاقبته عليهم .
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
. ويقول المكذبون بالمعاد ، وبالحق الذي جاء به الرسول ، مستعجلين للعذاب : [ 71 ]
مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
وهذا من سفاهة رأيهم وجهلهم ، فإن وقوعه ووقته ، قد أجله اللّه بأجله ، وقدره بقدره ، فلا يدل عدم استعجاله ، على بعض مطلوبهم . [ 72 ] ولكن - مع هذا - قال تعالى ، محذرا لهم وقوع ما يستعجلون :
قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ
أي : قرب منكم ، وأوشك أن يقع بكم
بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ
من العذاب . [ 73 ] ينبه عباده ، على سعة جوده ، وكثرة أفضاله ، ويحثهم على شكرها ، ومع هذا فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر ، واشتغلوا بالنعم عن المنعم . [ 74 ]
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ
أي : تنطوي عليه
صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ
، فليحذروا من عالم السرائر والظواهر ، وليراقبوه . [ 75 ]
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أي : خفية ، وسر من أسرار العالم ، العلوي والسفلي .
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
قد أحاط ذلك الكتاب ، بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة . فكل حادث جليّ أو خفيّ إلا وهو مطابق ، لما كتب في اللوح المحفوظ . [ 76 ] وهذا خبر عن هيمنة القرآن ، على الكتب السابقة ، وتفصيله ، وتوضيحه : لما كان فيها قد وقع فيه اشتباه واختلاف عند بني إسرائيل ، قصّه هذا القرآن قصا ، زال به الإشكال واستبان به الصواب من المسائل المختلف فيها . وإذا كان بهذه المثابة ، من الجلالة والوضوح ، وإزالة كل خلاف ، وفصل كل مشكل ، كان أعظم نعم اللّه على العباد ، ولكن ما كل أحد ، يقابل النعمة بالشكر . ولهذا بيّن أن نفعه ، ونوره ، وهداه ، مختص بالمؤمنين فقال : [ 77 ]
وَإِنَّهُ لَهُدىً
من الضلالة والغيّ والشّبه
وَرَحْمَةٌ
تثلج له صدورهم ، وتستقيم به أمورهم الدينية والدنيوية
لِلْمُؤْمِنِينَ
به المصدقين له ، المتلقين له بالقبول ، المقبلين على تدبره ، المتفكرين في معانيه . فهؤلاء ، تحصل