تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 723

مساهمون:

ص٧٢٣
للمحل ، الذي أمرت بدخوله ، لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام وأن ملك سليمان وتنظيمه ، قد بناه على الحكمة ، ولم يكن في قلبها أدنى شك ، من حالة السوء بعد ما رأت ، ما رأت . فلما استعدت للخوض قيل لها
إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
أي : مجلس
مِنْ قَوارِيرَ
فلا حاجة منك لكشف الساقين . فحينئذ لما وصلت إلى سليمان ، وشاهدت ما شاهدت ، وعلمت نبوته ورسالته ، تابت ورجعت عن كفرها ، و
قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. فهذا ما قصه اللّه علينا ، من قصة ملكة سبأ ، وما جرى لها مع سليمان ، وما عدا ذلك من الفروع المولدة ، والقصص الإسرائيلية ، فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام اللّه ، وهو من الأمور ، التي يتوقف الجزم بها ، على الدليل المعلوم عن المعصوم . والمنقولات في هذا الباب كلها ، أو أكثرها ، ليس كذلك . فالحزم كل الحزم ، الإعراض ، عنها ، وعدم إدخالها في التفاسير واللّه أعلم . [ 45 ] يخبر تعالى أنه أرسل إلى ثمود ، القبيلة المعروفة ، أخاهم في النسب ، صالحا ، وأنه أمرهم ، أن يعبدوا اللّه وحده ، ويتركوا الأنداد والأوثان .
فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ
منهم المؤمن ، ومنهم الكافر ، وهم معظمهم . [ 46 ]
قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ
أي : لم تبادرون فعل السيئات ، وتحرصون عليها ، قبل فعل الحسنات ، التي بها تحسن أحوالكم وتصلح أموركم الدينية والدنيوية ؟ والحال أنه لا موجب لكم ، إلى الذهاب لفعل السيئات ؟
لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
بأن تتوبوا من شرككم وعصيانكم ، وتدعوا أن يغفر لكم .
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
فإن رحمة اللّه قريب من المحسنين ، والتائب من الذنوب ، هو من المحسنين . [ 47 ]
قالُوا
لنبيهم صالح ، مكذبين ومعارضين :
اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
، زعموا - قبحهم اللّه - أنهم لم يروا على وجه صالح خيرا ، وأنه ، هو ومن معه ، من المؤمنين ، صاروا سببا لمنع مطالبهم الدنيوية . فقال لهم صالح :
طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أي : ما أصابكم اللّه ، بذنوبكم ،
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
بالسراء والضراء ، والخير والشر ، لينظر هل تقلعون وتتوبون ، أم لا ؟ فهذا دأبهم في تكذيب نبيهم ، وما قابلوه به . [ 48 ]
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ
التي فيها صالح ، الجامعة لمعظم قومه
تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
أي : وصفهم الإفساد في الأرض ، ولا لهم قصد ، ولا فعل بالإصلاح ، قد استعدوا لمعاداة صالح ، والطعن في دينه ، ودعوة قومهم إلى ذلك ، كما قال تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 150 ) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ( 151 ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
( 152 ) . [ 49 ] فلم يزالوا بهذه الحال الشنيعة ، حتى إنهم من عداوتهم
تَقاسَمُوا
فيما بينهم ، كل واحد ، أقسم للآخر
لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
أي : لنأتينهم ليلا ، هو وأهله ، فلنقتلنهم .
ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ
إذا قام علينا ، وادّعى علينا ، أنا قتلناهم ، ننكر ذلك ، وننفيه ونحلف .
ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ
فتواطئوا على ذلك . [ 50 ]
وَمَكَرُوا مَكْراً
دبروا أمرهم ، على قتل صالح وأهله ، على وجه الخفية ، حتى من قومهم ، خوفا من
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 723 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي