تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 725

مساهمون:

ص٧٢٥
الملائكة عن جلية الحال ، وأنهم جاءوا لاستنقاذه ، من بين أظهرهم ، وأنهم يريدون إهلاكهم ، وأن موعدهم الصبح . وأمروه أن يسري بأهله ليلا ، إلا امرأته ، فإنه سيصيبها ما أصابهم فخرج بأهله ليلا ، فنجوا ، وصبّحهم العذاب . فقلب اللّه عليهم ديارهم ، وجعل أعلاها أسفلها ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك . [ 58 ] ولهذا قال هنا :
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
( 58 ) ، أي : بئس المطر مطرهم ، وبئس العذاب عذابهم ، لأنهم أنذروا وخوفوا ، فلم ينزجروا ، ولم يرتدعوا ، فأحل اللّه بهم ، عقابه الشديد . [ 59 ] أي : قل
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الذي يستحق كمال الحمد ، والمدح والثناء ، لكمال أوصافه ، وجميل معروفه ، وهباته ، وعدله ، وحكمته في عقوبته المكذبين وتعذيب الظالمين . وسلّم أيضا على عباده ، الذين تخيرهم واصطفاهم على العالمين ، من الأنبياء والمرسلين ، وصفوة اللّه رب العالمين . وذلك لرفع ذكرهم ، وتنويها بقدرهم ، وسلامتهم من الشر والأدناس وسلامة ما قالوه في ربهم ، من النقائص والعيوب .
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
وهذا استفهام قد تقرر وعرف . أي : اللّه الرب العظيم ، كامل الأوصاف ، عظيم الألطاف ، خير أم الأصنام والأوثان ، التي عبدوها معه ، وهي ناقصة من كل وجه ، لا تنفع ولا تضر ، ولا تملك لأنفسها ، ولا لعابديها ، مثقال ذرة من الخير فاللّه خير مما يشركون . [ 60 ] ثم ذكر تفاصيل ما به يعرف ، ويتبين أنه الإله المعبود ، أن عبادته هي الحق ، وعبادة ما سواه ، هي الباطل فقال :
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
إلى
يَعْدِلُونَ
. أي : أمن خلق السماوات ، وما فيها ، من الشمس والقمر ، والنجوم ، والملائكة ، والأرض ، وما فيها من جبال ، وبحار ، وأنهار ، وأشجار ، وغير ذلك .
وَأَنْزَلَ لَكُمْ
أي : لأجلكم
مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ
أي : بساتين
ذاتَ بَهْجَةٍ
أي : حسن منظر ، من كثرة أشجارها ، وتنوعها ، وحسن ثمارها .
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
لولا منّة اللّه عليكم ، بإنزال المطر .
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
فعل هذه الأفعال ، حتى يعبد معه ويشرك به ؟ .
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
به غيره ، ويسوون به سواه ، مع علمهم أنه وحده ، خالق العالم العلوي والسفلي ، ومنزل الرزق . [ 61 ] أي : هل الأصنام والأوثان ، الناقصة من كل وجه ، التي لا فعل منها ولا رزق ولا نفع ، خير ؟ أم اللّه الذي
جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
يستقر عليها العباد ويتمكنون من السكنى ، والحرث ، والبناء ، والذهاب ، والإياب .
وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً
أي : جعل في خلال الأرض ، أنهارا ينتفع بها العباد ، في زروعهم وأشجارهم ، وشربهم ، وشرب مواشيهم .
وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ
أي : جبالا ترسيها وتثبتها ، لئلا تميد ، وتكون أوتادا لها ، لئلا تضطرب .
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
البحر المالح والبحر العذب
حاجِزاً
يمنع من اختلاطهما ، فتفوت المنفعة المقصودة من كل منهما ، بل جعل بينهما حاجزا من الأرض . جعل مجرى الأنهار في الأرض مبعدة عن البحار ، فتحصل منها مقاصدها ومصالحها .
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
فعل ذلك ، حتى يعدل به اللّه ويشرك به معه .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فيشركون باللّه ، تقليدا لرؤسائهم وإلا فلوا علموا حق العلم ، لم يشركوا به شيئا . [ 62 ] أي : هل يجيب المضطرب ، الذي أقلقته الكروب ، وتعسر عليه المطلوب ، واضطر للخلاص ، مما هو فيه ، إلا اللّه وحده ؟ . ومن يكشف السوء ، أي : البلاء ، والشر ، والنقمة ، إلا اللّه وحده ؟ ومن يجعلكم خلفاء الأرض ، يمكنكم منها ، ويمد لكم بالرزق ، ويوصل إليكم نعمه ، وتكونون خلفاء من قبلكم كما أنه سيميتكم ، ويأتي بقوم بعدكم ، أإله مع اللّه ، يفعل هذه الأفعال ؟ لا أحد يفعل مع اللّه شيئا من ذلك ، حتى بإقراركم أيها المشركون ، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر ، دعوا اللّه مخلصين له الدين لعلمهم أنه وحده ، المقتدر على دفعه وإزالته .
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
أي : قليل تذكركم وتدبركم للأمور ، التي إذا تذكرتموها ، ادكرتم ، ورجعتم إلى الهدى . ولكن الغفلة والإعراض ،