تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 721

مساهمون:

ص٧٢١
وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب . فمن حزمها وعقلها ، أن جمعت كبار دولتها ، ورجال مملكتها وقالت : [ 32 ]
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي
أي : أخبروني ، ما ذا نجيبه به ؟ وهل ندخل تحت طاعته ، وننقاد ؟ أم ما ذا نفعل ؟
ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ
أي : ما كنت مستبدة بأمر ، دون رأيكم ومشورتكم . [ 33 ]
قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ
أي : إن رددت عليه قوله ، ولم تدخلي في طاعته ، فإنا أقوياء على القتال . فكأنهم مالوا إلى هذا الرأي ، الذي لو تم ، لكان فيه دمارهم . ولكنهم أيضا لم يستقروا عليه ، بل قالوا :
وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ
أي : الرأي ما رأيت ، لعلمهم بعقلها ، وحزمها ، ونصحها لهم
فَانْظُرِي
نظر فكر وتدبر
ما ذا تَأْمُرِينَ
. فقالت لهم - مقنعة لهم بالعدول عن رأيهم ، ومبينة سوء مغبة القتال -
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
قتلا ، وأسرا ، ونهبا لأموالها ، وتخريبا لديارها .
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
أي : جعل الرؤساء السادة ، أشراف الناس من الأرذلين ، أي : فهذا رأي غير سديد . وأيضا فلست بمطيعة له ، قبل الاحتيال ، وإرسال من يكشف عن أحواله ويتدبرها . وحينئذ نكون على بصيرة من أمرنا . فقالت :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
( 35 ) منه . هل يستمر على رأيه وقوله ؟ أم تخدعه الهدية ، وتتبدل فكرته ، وكيف أحواله وجنوده ؟ [ 36 ] فأرسلت إليه بهدية ، مع رسل من عقلاء قومها ، وذوي الرأي منهم .
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ
أي : جاءه الرسل بالهدية
قالَ
منكرا عليهم ومتغيظا على عدم إجابتهم :
أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ
فليست تقع عندي موقعا ، ولا أفرح بها ، قد أغناني اللّه عنها ، وأكثر عليّ النعم .
بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
لحبكم للدنيا ، وقلة ما بأيديكم ، بالنسبة لما أعطاني اللّه . [ 37 ] ثم أوصى الرسول من غير كتاب ، لما رأى من عقله ، وأنه سينقل كلامه على وجهه فقال :
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ
أي : بهديتك
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ
أي : لا طاقة لهم
بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
، فرجع إليهم ، وأبلغهم ما قال سليمان ، وتجهزوا للمسير إلى سليمان . [ 38 ] وعلم سليمان أنهم لا بد أن يسيروا إليه ، فقال لمن حضره من الجن والإنس :
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
أي : لأجل أن نتصرف فيه ، قبل أن يسلموا ، فتكون أموالهم محترمة . [ 39 ]
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ
والعفريت هو : القوي النشيط جدا :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
، والظاهر أن سليمان إذ ذاك ، في الشام ، فيكون بينه وبين سبأ ، نحو مسيرة أربعة أشهر ، شهران ذهابا ، وشهران إيابا ، ومع ذلك ، يقول هذا العفريت هو : أنا ألتزم بالمجيء به ، على كبره وثقله وبعده ، قبل أن تقوم من مجلسك ، الذي أنت فيه . والمعتاد من المجالس الطويلة ، أن تكون معظم الضحى ، نحو ثلث يوم ، هذا نهاية المعتاد ، وقد يكون دون ذلك ، أو أكثر . وهذا الملك العظيم ، الذي عند آحاد رعيته ، هذه القوة ، والقدرة . [ 40 ] وأبلغ من ذلك أن
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ
قال المفسرون : هو رجل عالم ، صالح ، عند سليمان