تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
الكلام ، والأصل ، عدم الحذف . والثاني : كون المعنى قاصرا على من له حالتان ، حالة غنى بماله ، وحالة عدم . فيخرج العبيد والإماء ، ومن إنكاحه على وليه ، كما ذكرنا .
حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
وعد للمستعفف أن اللّه سيغنيه ، وييسر له أمره ، وأمر له بانتظار الفرج ، لئلا يشق عليه ما هو فيه . وقوله :
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ
، أي : من ابتغى وطلب منكم الكتابة ، وأن يشتري نفسه ، من عبيد وإماء ، فأجيبوه إلى ما طلب ، وكاتبوه .
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
أي : في الطالبين للكتابة
خَيْراً
أي : قدرة على التكسب ، وصلاحا في دينه . لأن في الكتابة ، تحصيل المصلحتين ، مصلحة العتق والحرية ، ومصلحة العوض ، الذي يبذله في فداء نفسه ، وربما جد واجتهد ، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ، ما لا يحصل عليه في رقه . فلا يكون ضرر على السيد في كتابته ، مع حصول عظيم المنفعة للعبد ، فلذلك أمر اللّه بالكتابة ، على هذا الوجه ، أمر إيجاب ، كما هو الظاهر ، أو أمر استحباب على القول الآخر ، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم ، لكونهم محتاجين لذلك ، بسبب أنهم لا مال لهم فقال :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
يدخل في ذلك أمر سيده ، الذي كاتبه ، أن يعطيه من كتابته ، أو يسقط عنه منها ، وأمر الناس بمعونتهم . ولهذا جعل اللّه للمكاتبين قسطا من الزكاة ، ورغب في إعطائه بقوله :
مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
أي : فكما أن المال مال اللّه ، وإنّما الذي بأيديكم عطية من اللّه لكم ومحض منه ، فأحسنوا لعباد اللّه ، كما أحسن اللّه إليكم . ومفهوم الآية الكريمة ، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة ، لا يؤمر سيده ، أن يبتدئ بكتابته ، وأنه إذا لم يعلم منه خيرا ، بأن علم منه عكسه ، إما أنه يعلم أنه لا كسب له ، فيكون بسبب ذلك كلّا على الناس ، ضائعا . وإما أن يخاف إذا أعتق ، وصار في حرية نفسه ، أن يتمكن من الفساد ، فهذا لا يؤمر بكتابته ، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور . ثم قال تعالى :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ
أي : إماءكم
عَلَى الْبِغاءِ
أي : أن تكون زانية
إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً
لأنه لا يتصور إكراهها إلّا بهذه الحال . وأما إذا لم ترد تحصنا فإنها تكون بغيا ، يجب على سيدها ، منعها من ذلك . وإنّما نهى عن هذا لما كانوا يستعملونه في الجاهلية ، من كون السيد يجبر أمته على البغاء ، ليأخذ منها أجرة ذلك ، ولهذا قال :
لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا
فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم ، خيرا منكم ، وأعف عن الزنا ، وأنتم تفعلون بهن ذلك ، لأجل عرض الحياة ، متاع قليل يعرض ، ثم يزول . فكسبكم النزاهة ، والنظافة ، والمروءة - بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها - أفضل من كسبكم العرض القليل ، الذي يكسبكم الرذالة والخسة . ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة فقال :
وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فليتب إلى اللّه وليقلع عما صدر منه ، مما يغضبه ، فإذا فعل ذلك ، غفر اللّه ذنوبه ، ورحمه كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب ، وكما رحم أمته بعدم إكراهها على ما يضرها . [ 34 ] هذا تعظيم وتفخيم لهذه الآيات ، تلاها على عباده ، ليعرفوا قدرها ، ويقوموا بحقها فقال :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
، أي : واضحات الدلالة ، على كلّ أمر تحتاجون إليه ، من الأصول والفروع ، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة .
وَ
أنزلنا إليكم أيضا
مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
من أخبار الأولين ، الصالح منهم والطالح ، وصفة أعمالهم ، وما جرى لهم ، وجرى عليهم تعتبرونه مثالا ومعتبرا ، لمن فعل مثل أعمالهم أن يجازى مثل ما جوزوا .
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
أي : وأنزلنا إليكم موعظة للمتقين ، من الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، يتعظ بها المتقون ، فيكون عما يكره اللّه إلى ما يحبه اللّه . [ 35 ]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الحسي والمعنوي ، وذلك أنه تعالى بذاته ، نور ، وحجابه نور ، الذي لو كشفه ، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ، وبه استنار العرش ، والكرسي ، والشمس ، والقمر والنور ، وبه استنارت الجنة . وكذلك المعنوي ، يرجع إلى اللّه ، فكتابه نور ، وشرعه نور ، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين ، نور . فلو لا نوره تعالى ، لتراكمت الظلمات ، ولهذا ، كل محل ، يفقد نوره فثمّ الظلمة
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 672 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي