تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 671

مساهمون:

ص٦٧١
الأرض بأرجلهن ، ليصوت ما عليهن من حلي ، كخلاخل وغيرها ، فتعلم زينتها بسببه ، فيكون وسيلة إلى الفتنة . ويؤخذ من هذا ونحوه ، قاعدة سد الوسائل وأن الأمر إذا كان مباحا ، ولكنه يفضي إلى محرم ، أو يخاف من وقوعه ، فإنه يمنع منه . فالضرب بالرجل في الأرض ، الأصل أنه مباح ، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة ، منع منه . ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة ، ووصى بالوصايا المستحسنة وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك - أمر اللّه تعالى بالتوبة فقال :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
ثمّ علق على ذلك ، الفلاح فقال :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
فلا سبيل إلى الفلاح إلّا بالتوبة ، وهي الرجوع مما يكرهه اللّه ، ظاهرا وباطنا ، إلى : ما يحبه ظاهرا وباطنا . ودل هذا ، أن كل مؤمن ، محتاج إلى التوبة ، لأن اللّه خاطب المؤمنين جميعا . وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة ، في قوله :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
أي : لا لمقصد غير وجهه ، من سلامة ، من آفات الدنيا ، أو رياء ، وسمعة ، أو نحو ذلك ، من المقاصد الفاسدة . [ 32 ] يأمر تعالى الأولياء والأسياد ، بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم : من لا أزواج لهم ، من رجال ، ونساء ثيبات ، وأبكار . فيجب على القريب ، وولي اليتيم ، أن يزوج من يحتاج للزواج ، ممن تجب نفقته عليه ، وإذا كانوا مأمورين بإنكاح من تحت أيديهم ، كان أمرهم بالنكاح بأنفسهم ، من باب أولى .
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
يحتمل أن المراد بالصالحين ، صلاح الدين ، وأن الصالح من العبيد والإماء ، وهو الذي لا يكون فاجرا زانيا ، مأمور سيده بإنكاحه ، جزاء له على صلاحه ، وترغيبا له فيه . ولأن الفاسد بالزنا ، منهيّ عن تزوجه ، فيكون مؤيدا للمذكور في أول السورة ، أن نكاح الزاني والزانية ، محرم ، حتى يتوب . ويكون التخصيص بالصلاح في العبيد والإماء ، دون الأحرار ، لكثرة وجود ذلك في العبيد عادة . ويحتمل أن المراد بالصالحين ، الصالحون للتزوج المحتاجون إليه ، من العبيد والإماء . يؤيد هذا المعنى ، أن السيد غير مأمور بتزويج مملوكه ، قبل حاجته إلى الزواج . ولا يبعد إرادة المعنيين كليهما ، واللّه أعلم . وقوله :
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ
أي : الأزواج والمتزوجين
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
فلا يمنعكم ما تتوهمون ، من أنه إذا تزوج ، افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه . وفيه حث على التزوج ، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر .
وَاللَّهُ واسِعٌ
كثير الخير عظيم الفضل
عَلِيمٌ
بمن يستحق فضله الديني والدنيوي ، أو أحدهما ، ممن لا يستحق ، فيعطي كلّا ، ما علمه واقتضاه حكمه . [ 33 ]
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
هذا حكم العاجز عن النكاح ، أمره اللّه أن يستعفف ، أي : أن يكف عن المحرم ، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه ، من صرف دواعي قلبه ، بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه . ويفعل أيضا ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » . وقوله :
الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً
أي : لا يقدرون نكاحا إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم ، أو امتناعهم من تزويجهم ، وليس لهم قدرة على إجبارهم على ذلك . وهذا التقدير ، أحسن من تقدير من قدر « لا يجدون مهر نكاح » . وجعلوا المضاف إليه نائبا مناب المضاف ، فإن في ذلك محذورين . أحدهما : الحذف في
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 671 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي