تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
والحصر .
مَثَلُ نُورِهِ
الذي يهدي إليه ، وهو نور الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين .
كَمِشْكاةٍ
أي : كوة
فِيها مِصْباحٌ
لأن الكوة ، تجمع نور المصباح حيث لا يتفرق . ذلك
الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ
من صفائها وبهائها
كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
أي : مضيء إضاءة الدر .
يُوقَدُ
ذلك المصباح ، الذي في تلك الزجاجة الدرية
مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
أي : يوقد من زيت الزيتون الذي ناره ، من أنور ما يكون .
لا شَرْقِيَّةٍ
فقط ، فلا تصيبها الشمس ، آخر النهار .
وَلا غَرْبِيَّةٍ
فقط ، فلا تصيبها الشمس ، أو النهار . وإذا انتفى عنها الأمران ، كانت متوسطة من الأرض . كزيتون الشام ، تصيبه الشمس أول النهار وآخره ، فيحسن ويطيب ، ويكون أصفى لزيتها ، ولهذا قال :
يَكادُ زَيْتُها
من صفائه
يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
فإذا مسته النار ، أضاء إضاءة بليغة
نُورٌ عَلى نُورٍ
أي : نور النار ، ونور الزيت . ووجه هذا المثل ، الذي ضربه اللّه ، وتطبيقه على حالة المؤمن ، ونور اللّه في قلبه ، أن فطرته التي فطر عليها ، بمنزلة الزيت الصافي . ففطرته صافية ، مستعدة للتعاليم الإلهية ، والعمل المشروع ، فإذا وصل إليه العلم والإيمان ، اشتعل ذلك النور في قلبه ، بمنزلة إشعال النار ، فتيلة ذلك المصباح ، وهو صافي القلب ، من سوء القصد ، وسوء الفهم عن اللّه . إذا وصل إليه الإيمان ، أضاء إضاءة عظيمة ، لصفائه من الكدورات . وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدرية ، فيجتمع له ، نور الفطرة ، ونور الإيمان ، ونور العلم ، وصفاء المعرفة ، نور على نوره . ولما كان هذا من نور اللّه تعالى ، وليس كلّ أحد يصلح له ذلك قال :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
ممن يعلم زكاته وطهارته ، وأنه يزكى معه ، وينمو .
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
ليعقلوا عنه ، ويفهموا ، لطفا منه بهم ، وإحسانا إليهم وليتضح الحق من الباطل ، فإن الأمثال تقرب المعاني المعقولة من المحسوسة ، فيعلمها العباد علما واضحا .
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فعلمه محيط بجميع الأشياء . فلتعلموا أن ضربه الأمثال ، ضرب من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها وأنها مصلحة للعباد . فليكن اشتغالكم بتدبّرها وتعقّلها ، لا بالاعتراض عليها ، ولا بمعارضتها ، فإنه يعلم ، وأنتم لا تعلمون . [ 36 - 37 ] ولما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد ، ذكرها منوها بها فقال :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ
إلى
بِغَيْرِ حِسابٍ
. أي : يتعبد للّه
فِي بُيُوتٍ
عظيمة فاضلة ، هي أحب البقاع إليه ، وهي : المساجد .
أَذِنَ اللَّهُ
أي : أمر ووصى
أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
هذان مجموع أحكام المساجد . فيدخل في رفعها ، بناؤها ، وكنسها وتنظيفها من النجاسات والأذى وصونها من المجانين والصبيان ، الّذين لا يتحرزون عن النجاسات ، وعن الكافر ، وأن تصان عن اللغو فيها ، ورفع الأصوات بغير ذكر اللّه .
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
يدخل في ذلك ، الصلاة كلها ، فرضها ، ونفلها ، وقراءة القرآن ، والتسبيح ، والتهليل ، وغيره من أنواع الذكر ، وتعلّم العلم وتعليمه ، والمذاكرة فيها ، والاعتكاف ، وغير ذلك من العبادات ، التي تفعل في المساجد ، ولهذا كانت عمارة المساجد على قسمين : عمارة بنيان ، وصيانة لها ، وعمارة بذكر اسم اللّه ، من الصلاة وغيرها وهذا أشرف القسمين . ولهذا شرعت الصلوات الخمس ، والجمعة ، في المساجد ، وجوبا عند أكثر العلماء ، واستحبابا عند آخرين . ثم مدح تعالى ، عمّارها بالعبادة فقال :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها
إخلاصا
بِالْغُدُوِّ
أول النهار
وَالْآصالِ
آخره
رِجالٌ
. خص هذين الوقتين ، لشرفهما ولتيسر السير فيهما إلى اللّه ، وسهولته . ويدخل في ذلك ، التسبيح في الصلاة وغيرها ، ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء ، وأورادهما عند الصباح والمساء . أي : يسبح فيها اللّه ، رجال ، وأي رجال ، ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا ، ذات لذات ، ولا تجارة ومكاسب ، مشغلة عنه .
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ
وهذا يشمل كلّ تكسّب يقصد به العوض ، فيكون قوله :
وَلا بَيْعٌ
من باب عطف الخاص على العام ، لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره ، فهؤلاء الرجال ، وإن اتجروا ، وباعوا ، واشتروا ، فإن ذلك ، لا محذور فيه . لكنه لا تلهيهم تلك ، بأن يقدموها ويؤثروها على
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ
بل جعلوا طاعة اللّه وعبادته ، غاية مرادهم ، ونهاية مقصدهم ، فما حال بينهم وبينها ، رفضوه . ولما كان ترك الدنيا ، شديدا على أكثر النفوس ، وحب المكاسب بأنواع