تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
لأعمال جميع الكفار ، كل منهما ، منطبق عليها ، وعدّدهما لتعدد الأوصاف ، ويحتمل أن كلّ مثال ، لطائفة وفرقة . فالأول ، للمتبوعين ، والثاني ، للتابعين ، واللّه أعلم . [ 41 ] نبه تعالى عباده على عظمته ، وكمال سلطانه ، وافتقار جميع المخلوقات إليه ، في ربوبيتها ، وعبادتها فقال :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
من حيوان وجماد
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ
أي : صافات أجنحتها ، في السماء ، تسبح ربها .
كُلٌّ
من هذه المخلوقات
قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
أي : كل له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به ، وقد ألهمه اللّه تلك الصلاة والتسبيح ، إما بواسطة الرسل ، كالجن والإنس ، والملائكة ، وإما بإلهام منه تعالى ، كسائر المخلوقات غير ذلك ، وهذا الاحتمال ، أرجح ، بدليل قوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
، أي : علم جميع أفعالهم ، فلم يخف عليه منها شيء ، وسيجازيهم بذلك ، فيكون على هذا ، قد جمع بين علمه بأعمالهم ، وذلك بتعليمه ، وبين علمه بمقاصدهم المتضمن للجزاء . ويحتمل أن الضمير في قوله :
قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
يعود إلى اللّه ، وأن اللّه تعالى ، قد علم عبادتهم ، وإن لم تعلموا - أيها العباد - منها ، إلّا ما أطلعكم اللّه عليه . وهذه الآية كقوله تعالى :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( 44 ) . [ 42 ] فلما بيّن عبوديتهم وافتقارهم إليه - من جهة العبادة والتوحيد - بيّن افتقارهم إليه ، من جهة الملك والتربية والتدبير فقال :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خالقهما ، ورازقهما ، والمتصرف فيهما ، في حكمه الشرعي والقدري ، في هذه الدار ، وفي حكمه الجزائي ، بدار القرار ، بدليل قوله :
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
أي : مرجع الخلق ومآلهم ، ليجازيهم بأعمالهم . [ 43 ] أي : ألم تشاهد ببصرك ، عظيم قدرة اللّه ، وكيف
يُزْجِي
، أي : يسوق
سَحاباً
قطعا متفرقة
ثُمَّ يُؤَلِّفُ
بين تلك القطع ، فيجعله سحابا متراكما ، مثل الجبال .
فَتَرَى الْوَدْقَ
أي : الوابل والمطر ، يخرج من خلال السحابة ، نقطا متفرقة ، ليحصل بها الانتفاع ، من دون ضرر ، فتمتلئ بذلك ، الغدران ، وتتدفق الخلجان ، وتسيل الأودية ، وتنبت الأرض من كلّ زوج كريم ، وتارة ينزل اللّه من ذلك السحاب ، بردا يتلف ما يصيبه .
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
أي : بحسب اقتضاء حكمه القدري ، وحكمته التي يحمد عليها .
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ
أي : يكاد ضوء برق ذلك السحاب ، من شدته
يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
، أليس الذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين ، وأنزلها على وجه يحصل به النفع وينتفي به الضرر ، كامل القدرة ، نافذ المشيئة ، واسع الرحمة ؟ [ 44 ]
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
من حر إلى برد ، ومن برد إلى حر ، ومن ليل إلى نهار ، ومن نهار إلى ليل ، ويديل الأيام بين عباده .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
أي : لذوي البصائر ، والعقول النافذة للأمور المطلوبة منها ، كما تنفذ الأبصار إلى الأمور المشاهدة الحسية . فالبصير ، ينظر إلى هذه المخلوقات نظر اعتبار وتفكير ، وتدبّر لما أريد بها ومنها ، والمعرض الجاهل ، نظره إليها نظر غفلة ، بمنزلة نظر البهائم .