تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 660

مساهمون:

ص٦٦٠
[ 92 ] ولهذا نبه على عظمة صفاته بأنموذج من ذلك ، وهو علمه المحيط . فقال :
عالِمِ الْغَيْبِ
أي : الذي غاب عن أبصارنا ، وعلمنا ، من الواجبات ، والمستحيلات ، والممكنات .
وَالشَّهادَةِ
وهو ما نشاهد من ذلك
فَتَعالى
أي : ارتفع وعظم .
عَمَّا يُشْرِكُونَ
به ، ولا علم عندهم ، إلا ما علمه اللّه . [ 93 ] لما أقام تعالى على المكذبين أدلته العظيمة ، فلم يلتفتوا إليها ، ولم يذعنوا لها ، حق عليهم العذاب ، ووعدوا بنزوله ، وأرشد اللّه رسوله أن يقول :
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ
( 93 ) أي : أيّ وقت أريتني عذابهم ، وأحضرتني ذلك . [ 94 ]
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 94 ) أي : اعصمني وارحمني ، مما ابتليتهم به من الذنوب الموجبة للنعم ، وارحمني أيضا من العذاب الذي ينزل بهم ، لأن العقوبة العامة ، تعم - عند نزولها - العاصي وغيره . [ 95 ] قال اللّه في تقريب عذابهم :
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ
( 95 ) ولكن إن أخرناه فلحكمة ، وإلا ، فقدرتنا صالحة لإيقاعه . [ 96 ] هذا من مكارم الأخلاق ، التي أمر اللّه رسوله بها فقال :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
أي : إذا أساء إليك أعداؤك ، بالقول والفعل ، فلا تقابلهم بالإساءة ، مع أنه يجوز معاقبة المسئ بمثل إساءته ، ولكن ادفع إساءتهم إليك ، بالإحسان منك إليهم ، فإن ذلك فضل منك على المسئ . ومن مصالح ذلك ، أنه تخف الإساءة عنك ، في الحال ، وفي المستقبل ، وأنه أدعى لجلب المسئ إلى الحقّ ، وأقرب إلى ندمه وأسفه ، ورجوعه بالتوبة عما فعل . ويتصف العافي بصفة الإحسان ، ويقهر بذلك عدوه الشيطان ، ويستوجب الثواب من الرب قال تعالى :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
وقال تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها
أي : ما يوفق لهذا الخلق الجميل
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
. وقوله :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ
أي : بما يقولون من الأقوال المتضمنة ، للكفر ، والتكذيب بالحق ، قد أحاط علمنا بذلك ، وقد حلمنا عنهم ، وأمهلناهم ، وصبرنا عليهم ، والحقّ لنا ، وتكذيبهم لنا . فأنت - يا محمد - ينبغي لك أن تصبر على ما يقولون ، وتقابلهم بالإحسان ، هذه وظيفة العبد في مقابلة المسئ من البشر . وأما المسئ من الشياطين ، فإنه لا يفيد فيه الإحسان . ولا يدعو حزبه ، إلّا ليكونوا من أصحاب السعير . [ 97 - 98 ] فالوظيفة في مقابلته ، أن يسترشد بما أرشد اللّه إليه رسوله فقال :
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ( 97 ) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
( 98 ) ، أي : أعوذ بك من الشر ، الذي يصيبني بسبب مباشرتهم ، وهمزهم ومسّهم ، ومن الشر ، الذي بسبب حضورهم ، ووسوستهم ، وهذه استعاذة من مادة الشر كله وأصله ، ويدخل فيها ، الاستعاذة من جميع نزغات الشيطان ، ومن مسّه ووسوسته ، فإذا أعاذ اللّه عبده من هذا الشر ، وأجاب دعاءه ، سلم من كلّ شر ، ووفق لكل خير . [ 99 ] يخبر تعالى عن حال من حضره الموت ، من المفرطين الظالمين ، أنه يندم في تلك الحال ، إذا رأى مآله ، وشاهد قبح أعماله . فيطلب الرجعة إلى الدنيا ، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنّما ذلك ليقول : [ 100 ]
لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
من العمل ، وفرطت في جنب اللّه .
كَلَّا
أي : لا رجعة له ولا إمهال ، قد قضى اللّه أنهم إليها لا يرجعون ،
إِنَّها
أي : مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا
كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
أي : مجرد قول اللسان ، لا يفيد صاحبه إلّا الحسرة والندم ، وهو أيضا غير صادق في ذلك ، فإنه لو ردّ لعاد لما نهي عنه .
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
أي : من أمامهم وبين أيديهم ، برزخ ، وهو الحاجز بين الشيئين ، فهو هنا : الحاجز بين الدنيا والآخرة . وفي هذا البرزخ ، يتنعم المطيعون ، ويعذب العاصون ، من ابتداء موتهم ، واستقرارهم في قبورهم ، إلى يوم يبعثون ، أي : فليعدوا له عدّته ، وليأخذوا له أهبته .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 660 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي