تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧
[ 72 ] أي : أو منعهم من اتباعك يا محمد ، أنك تسألهم على الإجابة أجرا
فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ *
يتكلفون من اتباعك ، بسبب ما تأخذ منهم من الأجر والخراج ، ليس الأمر كذلك
فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
، وهذا كما قال الأنبياء لأممهم
وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
، أي : ليسوا يدعون الخلق ، طمعا فيما يصيبهم منهم ، من الأموال ، وإنما يدعونهم ، نصحا لهم ، وتحصيلا لمصالحهم ، بل كان الرسل ، أنصح للخلق من أنفسهم ، فجزاهم اللّه عن أممهم ، خير الجزاء ، ورزقنا الاقتداء بهم ، في جميع الأحوال . [ 73 - 74 ] ذكر اللّه تعالى في هذه الآيات الكريمات ، كل سبب موجب للإيمان ، وذكر الموانع ، وبين فسادها ، واحدا بعد واحد ، فذكر من الموانع أن قلوبهم في غمرة ، وأنهم لم يدبروا القول ، وأنهم اقتدوا بآبائهم ، وأنهم قالوا : برسولهم جنة ، كما تقدم الكلام عليها . وذكر من الأمور الموجبة لإيمانهم ، تدبر القرآن ، وتلقّي نعمة اللّه بالقبول ، ومعرفة حال محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكمال صدقه وأمانته ، وأنه لا يسألهم عليه أجرا ، وإنما سعيه لنفعهم ومصلحتهم ، وأن الذي يدعوهم إليه ، صراط مستقيم ، وسهل على العاملين لاستقامته ، موصل إلى المقصود ، من قرب ، حنيفية سمحة ، حنيفية في التوحيد ، سمحة في العمل ، فدعوتك إياهم إلى الصراط المستقيم ، توجب لمن يريد الحق أن يتبعك ، لأنه مما تشهد العقول والفطر بحسنه ، وموافقته للمصالح ، فأين يذهبون إن لم يتابعوك ؟ فإنهم ليس عندهم ، ما يغنيهم ويكفيهم عن متابعتك ، لأنهم
عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ
متجنبون منحرفون ، عن الطريق الموصل إلى اللّه ، وإلى دار كرامته ، ليس في أيديهم إلا ضلالات وجهالات . وهكذا كل من خالف الحق ، لا بد أن يكون منحرفا في جميع أموره ، قال تعالى :
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
. [ 75 ] هذا بيان لشدة تمردهم ، وأنهم إذا أصابهم الضر ، دعوا اللّه أن يكشف عنهم ، ليؤمنوا ، أو ابتلاهم بذلك ، ليرجعوا إليه . إن اللّه إذا كشف الضر عنهم ، لجّوا ، أي : استمروا في طغيانهم يعمهون ، أي : يجولون في كفرهم ، حائرين مترددين . كما ذكر اللّه حالهم عند ركوب الفلك ، وأنهم يدعون مخلصين له الدين ، وينسون ما يشركون به ، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بالشرك وغيره . [ 76 ]
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ
قال المفسرون : المراد بذلك : الجوع الذي أصابهم سبع سنين ، وأن اللّه ابتلاهم بذلك ، ليرجعوا إليه ، بالذل والاستسلام ، فلم ينجع فيهم ، ولا نجح منهم أحد .
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ
أي : خضعوا وذلوا
وَما يَتَضَرَّعُونَ
إليه ويفتقرون ، بل مرّ عليهم ذلك ، ثمّ زال ، كأنه لم يصبهم ، لم يزالوا في غيهم وكفرهم . [ 77 ] ولكن وراءهم ، العذاب الذي لا يرد ، وهو قوله :
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ
كالقتل يوم بدر وغيره ،
إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
آيسون من كل خير ، قد حضرهم الشر وأسبابه ، فليحذروا قبل نزول عذاب اللّه