تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
الشديد ، الذي لا يرد ، بخلاف مجرد العذاب ، فإنه ربما أقلع عنهم ، كالعقوبات الدنيوية ، التي يؤدب اللّه بها عباده . قال تعالى فيها :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 41 ) . [ 78 ] يخبر تعالى ، بمنته على عباده الداعية لهم إلى شكره ، والقيام بحقه فقال :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ
لتدركوا به المسموعات فتنتفعوا في دينكم ودنياكم .
وَالْأَبْصارَ
لتدركوا بها المبصرات ، فتنتفعوا بها في مصالحكم .
وَالْأَفْئِدَةَ
أي : العقول التي تدركون بها الأشياء ، وتتميزون بها عن البهائم . فلو عدمتم السمع ، والأبصار ، والعقول ، بأن كنتم صما عميا بكما ما ذا تكون حالكم ؟ وما ذا تفقدون من ضرورياتكم وكمالكم ؟ أفلا تشكرون الذي منّ عليكم بهذه النعم ، فتقومون بتوحيده وطاعته ؟ ولكنكم ، قليل شكركم ، مع توالي النعم عليكم . [ 79 ]
وَهُوَ
تعالى
الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
أي : بثّكم في أقطارها ، وجهاتها ، وسلطكم على استخراج مصالحها ومنافعها ، وجعلها كافية لمعايشكم ، ومساكنكم .
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
بعد موتكم ، فيجازيكم بما عملتم في الأرض ، من خير وشر ، وتحدث الأرض التي كنتم فيها بأخبارها . [ 80 ]
وَهُوَ
تعالى وحده
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
أي : المتصرف في الحياة والموت ، هو اللّه وحده .
وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
أي : تعاقبهما وتناوبهما ، فلو شاء أن يجعل النهار سرمدا ، من إله غير اللّه يأتيكم بليل تسكنون فيه ؟ ولو شاء أن يجعل الليل سرمدا ، من إله غير اللّه ، يأتيكم بضياء أفلا تبصرون ؟ ومن رحمته ، جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ، ولتبتغوا من فضله ، ولعلكم تشكرون . ولهذا قال هنا :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
فتعرفون أن الذي وهب لكم ، من النعم ، السمع ، والأبصار ، والأفئدة ، والذي نشركم في الأرض ، وحده ، والذي يحيي ويميت ، وحده ، والذي يتصرف بالليل والنهار ، وحده ، أن ذلك موجب لكم ، أن تخلصوا له العبادة ، وحده لا شريك له ، وتتركوا عبادة من لا ينفع ولا يضر ، ولا يتصرف بشيء ، بل هو عاجز من كل وجه ، فلو كان لكم عقل ، لم تفعلوا ذلك . [ 81 - 82 ] أي : بل سلك هؤلاء المكذبون ، مسلك الأولين ، من المكذبين بالبعث ، واستبعدوه غاية الاستبعاد وقالوا :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
أي : هذا لا يتصور ، ولا يدخل العقل ، بزعمهم . [ 83 ]
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ
أي : ما زلنا نوعد بأن البعث كائن ، نحن وآباؤنا ، ولم نره ، ولم يأت بعد .
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي : قصصهم وأسمارهم ، التي يتحدث بها ويتلهى ، وإلا فليس لها حقيقة ، وكذبوا - قبحهم اللّه - فإن اللّه أراهم ، من آياته أكبر من البعث ، ومثله ، ما قاله اللّه تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
.
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
( 78 ) الآيات
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
الآيات . [ 84 - 85 ] أي : قل لهؤلاء المكذبين بالبعث ، العادلين باللّه غيره ، محتجا عليهم بما أثبتوه ، وأقروا به ، من توحيد الربوبية ، وانفراد اللّه بها - على ما أنكروه ، من توحيد الإلهية والعبادة ، وبما أثبتوه من خلق المخلوقات العظيمة ، على ما أنكروه من إعادة الموتى ، الذي هو أسهل من ذلك :
لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها
أي : من هو الخالق للأرض ، ومن عليها ، من حيوان ، ونبات ، وجماد ، وبحار ، وأنهار ، وجبال ، ومن المالك لذلك ، المدبر له ؟ فإنك إذا سألتهم عن ذلك ، لا بد أن يقولوا : اللّه وحده ، فقل لهم إذا أقروا بذلك :
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
أي : أفلا ترجعون إلى ما ذكركم اللّه به ، مما هو معلوم عندكم ، مستقر في فطركم ، قد يغيبه الإعراض في بعض الأوقات . الحقيقة أنكم إن رجعتم إلى ذاكرتكم ، بمجرد التأمل ، علمتم أن مالك ذلك ، هو المعبود وحده ، وأن إلهية من هو مملوك ، أبطل الباطل . [ 86 ] ثمّ انتقل إلى ما هو أعظم من ذلك ، فقال :
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ
وما فيها من النيرات ، والكواكب السيارات ، والثوابت
وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
الذي هو أعلى المخلوقات وأوسعها وأعظمها ؟ فمن الذي