تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
[ 101 ] يخبر تعالى عن هول يوم القيامة ، وما في ذلك ، من المزعجات والمقلقات ، وأنه إذا نفخ في الصور ، نفخة البعث ، فحشر الناس أجمعون ، لميقات يوم معلوم ، أنه يصيبهم من الهول ، ما ينسيهم أنسابهم ، التي هي أقوى الأسباب ، فغير الأنساب ، من باب أولى ، وأنه لا يسأل أحد أحدا ، عن حاله ، لاشتغاله بنفسه ، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها ؟ أو يشقى شقاوة لا سعادة بعدها ؟ قال تعالى :
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ( 11 ) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
( 13 )
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) . [ 102 ] وفي القيامة مواضع ، يشتد كربها ، ويعظم وقعها ، كالميزان الذي يميز به أعمال العبد ، وينظر فيه بالعدل ، ما له ، وما عليه ، وتبين فيه مثاقيل الذر ، من الخير والشر .
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ
بأن رجحت حسناته على سيئاته
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
لنجاتهم من النار ، واستحقاقهم الجنة ، وفوزهم بالثناء الجميل . [ 103 ]
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ
بأن رجحت سيئاته على حسناته ، وأحاطت بها خطيئاته
فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
كل خسارة ، غير هذه الخسارة ، فإنها - بالنسبة إليها - سهلة . ولكن هذه خسارة صعبة ، لا يجبر مصابها ، ولا يستدرك فائتها . خسارة أبدية ، وشقاوة سرمدية ، قد خسر نفسه الشريفة ، التي يتمكن بها من السعادة الأبدية ففوّتها هذا النعيم المقيم ، في جوار الرب الكريم .
فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ
لا يخرجون منها أبد الآبدين ، وهذا الوعيد ، إنّما هو كما ذكرنا ، لمن أحاطت خطيئاته بحسناته ، ولا يكون ذلك ، إلّا كافرا ، فعلى هذا ، لا يحاسب محاسبة من توزن حسناته وسيئاته ، فإنهم لا حسنات لهم ، ولكن تعدّ أعمالهم ، وتحصى ، فيقفون عليها ، ويقررون بها ، ويخزون بها ، وأما من معه أصل الإيمان ، ولكن عظمت سيئاته ، فرجحت على حسناته ، فإنه وإن دخل النار ، لا يخلد فيها ، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة . [ 104 ] ثمّ ذكر تعالى ، سوء مصير الكافرين فقال :
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ
أي : تغشاهم من جميع جوانبهم ، حتى تصيب أعضاءهم الشريفة ، ويتقطع لهبها عن وجوههم .
وَهُمْ فِيها كالِحُونَ
قد عبست وجوههم ، وقلصت شفاههم ، من شدة ما هم فيه ، وعظيم ما يلقونه . [ 105 ] فيقال لهم - توبيخا ولوما - :
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
تدعون بها ، لتؤمنوا ، وتعرض عليكم لتنظروا ،
فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
ظلما منكم ، وعنادا ، وهي آيات بينات ، دالات على الحقّ والباطل ، مبينات للمحق والمبطل . [ 106 ] فحينئذ أقروا بظلمهم ، حيث لا ينفع الإقرار و
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
أي : غلبت علينا الشقاوة الناشئة عن الظلم والإعراض عن الحقّ ، والإقبال على ما يضر ، وترك ما ينفع .
وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
في عملهم ، وإن كانوا يدرون أنهم ظالمون ، أي : فعلنا في الدنيا ، فعل التائه ، الضال السفيه ، كما قالوا في الآية الأخرى .
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
( 10 ) .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 661 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي