تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 662

مساهمون:

ص٦٦٢
[ 107 ]
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ
( 107 ) وهم كاذبون في وعدهم هذا ، فإنهم كما قال تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
، ولم يبق اللّه لهم حجة ، بل قطع أعذارهم ، وغرّهم في الدنيا ، ما يتذكر فيه من تذكر ، ويرتدع فيه المجرم ، [ 108 ] فقال اللّه جوابا لسؤالهم ،
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
وهذا القول - نسأله تعالى العافية - أعظم قول على الإطلاق يسمعه المجرمون في التخييب ، والتوبيخ ، والذل ، والخسار ، والتأييس من كلّ خير ، والبشرى بكل شر . وهذا الكلام والغضب من الرب الرحيم ، أشد عليهم وأبلغ في نكايتهم من عذاب الجحيم . [ 109 ] ثمّ ذكر الحال التي أوصلتهم إلى العذاب ، وقطعت عنهم الرحمة فقال :
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
( 109 ) فجمعوا بين الإيمان المقتضي لأعماله الصالحة ، والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة ، والتوسل إليه بربوبيته ، ومنته عليهم بالإيمان ، والإخبار بسعة رحمته ، وعموم إحسانه . وفي ضمنه ، ما يدل على خضوعهم ، وخشوعهم ، وانكسارهم لربهم ، وخوفهم ورجائهم . [ 110 ] فهؤلاء سادات الناس وفضلاؤهم
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ
أيها الكفرة الأنذال ناقصو العقول والأحلام
سِخْرِيًّا
تهزءون بهم ، وتحتقرونهم ، حتى اشتغلتم بذكر السفه .
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
وهذا الذي أوجب لهم نسيان الذكر ، اشتغالهم بالاستهزاء بهم ، كما أن نسيانهم للذكر ، يحثهم على الاستهزاء . فكل من الأمرين يمد الآخر ، فهل فوق هذه الجرأة جرأة ؟ ! [ 111 ]
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا
على طاعتي ، وعلى أذاكم ، حتى وصلوا إلي .
أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ
بالنعيم المقيم ، والنجاة من الجحيم ، كما قال في الآية الأخرى :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
( 34 ) الآيات . [ 112 - 113 ]
قالَ
لهم على وجه اللوم ، وأنهم سفهاء الأحلام ، حيث اكتسبوا في هذه المدة اليسيرة ، كل شر أوصلهم إلى غضبه وعقوبته ، ولم يكتسبوا ، ما اكتسبه المؤمنون من الخير ، الذي يوصلهم إلى السعادة الدائمة ، ورضوان ربهم .
كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
، كلامهم هذا ، مبنيّ على استقصارهم جدا ، لمدة مكثهم في الدنيا وأفاد ذلك ، لكنه لا يفيد مقداره ، ولا يعينه ، فلهذا قالوا :
فَسْئَلِ الْعادِّينَ
أي : الضابطين لعدده . [ 114 ] وأما هم ، ففي شغل شاغل ، وعذاب مذهل عن معرفة عدده ، فقال لهم :
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
سواء عينتم عدده ، أم لا
لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
. [ 115 ] أي :
أَ فَحَسِبْتُمْ
أيها الخلق
أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
أي : سدى وباطلا ، تأكلون وتشربون ، وتمرحون ، وتتمتعون بلذات الدنيا ، ونترككم ، لا نأمركم ، ولا ننهاكم ، ولا نثيبكم ، ولا نعاقبكم ؟ ولهذا قال :
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
لا يخطر هذا ببالكم . [ 116 ]
فَتَعالَى اللَّهُ
أي : تعاظم ، وارتفع عن هذا الظن الباطل ، الذي يرجع إلى القدح في حكمته .
الْمَلِكُ