تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
كان المسابق لغيره المسارع ، قد يسبق لجده وتشميره ، وقد لا يسبق لتقصيره ، أخبر تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال :
وَهُمْ لَها
أي : للخيرات
سابِقُونَ
قد بلغوا ذروتها ، وتباروا ، هم والرعيل الأول ، ومع هذا ، قد سبقت لهم من اللّه ، سابقة السعادة ، أنهم سابقون . [ 62 ] ولما ذكر مسارعتهم إلى الخيرات ، وسبقهم إليها ، ربما وهم واهم ، أن المطلوب منهم ومن غيرهم ، أمر غير مقدور ، أو متعسر ، قال تعالى :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
أي : بقدر ما تسعه ، ويفضل من قوتها عنه ، ليس مما يستوعب قوتها ، رحمة منه وحكمة ، لتيسير طريق الوصول إليه ، ولتعمر جادة السالكين في كل وقت إليه .
وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ
وهو الكتاب الأول ، الذي فيه كل شيء ، وهو يطابق كل واقع يكون ، فلذلك كان حقا .
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
أي : لا ينقص من إحسانهم ، ولا يزداد في عقوبتهم وعصيانهم . [ 63 ] يخبر تعالى أن هؤلاء المكذبين ، في غمرة من هذا ، أي : وسط غمرة من الجهل والظلم ، والغفلة والإعراض ، تمنعهم من الوصول إلى هذا القرآن ، فلا يهتدون به ، ولا يصل إلى قلوبهم منه شيء .
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
، فلما كانت قلوبهم في غمرة منه ، عملوا بحسب هذا الحال ، من الأعمال الكفرية ، والمعاندة للشرع ، ما هو موجب لعقابهم .
وَ
لكن
لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ
هذه الأعمال
هُمْ لَها عامِلُونَ
، أي : فلا يستغربوا عدم وقوع العذاب فيهم ، فإن اللّه يمهلهم ، ليعملوا هذه الأعمال ، التي بقيت عليهم ، مما كتب عليهم ، فإذا عملوها ، واستوفوها انتقلوا بشر حالة ، إلى غضب اللّه وعقابه . [ 64 ]
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ
أي : متنعميهم ، الذين ما اعتادوا إلا الترف ، والرفاهية ، والنعيم ، ولم تحصل لهم المكاره ، فإذا أخذناهم
بِالْعَذابِ
ووجدوا مسّه
إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
يصرخون ، ويتوجعون ، لأنه أصابهم أمر ، خالف ما هم عليه . [ 65 ] ويستغيثون ، فيقال لهم :
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ
( 65 ) ، وإذا لم تأتهم النصرة من اللّه ، وانقطع عنهم الغوث ، من جانبه ، لم يستطيعوا نصر أنفسهم ، ولم ينصرهم أحد . [ 66 ] فكأنه قيل : ما السبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ؟ قال :
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها ، فلم تفعلوا ذلك ، بل كنتم
عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ
أي : راجعين القهقرى إلى الخلف ، وذلك لأن باتباعهم القرآن ، يتقدمون ، وبالإعراض عنه ، يستأخرون وينزلون إلى أسفل سافلين . [ 67 - 68 ]
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ
( 67 ) قال المفسرون معناه : مستكبرين به ، الضمير يعود إلى البيت ، المعهود عند المخاطبين ، أو الحرم ، أي : متكبرين على الناس بسببه ، تقولون : نحن أهل الحرم ، فنحن أفضل من غيرنا ، وأعلى
سامِراً
أي : جماعة يتحدثون بالليل حول البيت
تَهْجُرُونَ
أي : تقولون الكلام الهجر ، الذي هو القبيح في هذا القرآن . فالمكذبون كانت طريقتهم في القرآن ، الإعراض عنه ، ويوصي بعضهم بعضا بذلك
وَقالَ