تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 637

مساهمون:

ص٦٣٧
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
. [ 41 ] ثمّ ذكر علامة من ينصره ، وبها يعرف ، أن من ادعى أنه ينصر اللّه ، وينصر دينه ، ولم يتصف بهذا الوصف ، فهو كاذب فقال :
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ
أي : ملكناهم إياها ، وجعلناهم المتسلطين عليها ، من غير منازع ينازعهم ، ولا معارض .
أَقامُوا الصَّلاةَ
في أوقاتها ، وحدودها ، وأركانها ، وشروطها ، في الجمعة والجماعات .
وَآتَوُا الزَّكاةَ
التي عليهم ، خصوصا ، وعلى رعيتهم عموما ، آتوها أهلها ، الّذين هم أهلها .
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
وهذا يشمل كلّ معروف حسنه شرعا وعقلا ، من حقوق اللّه ، وحقوق الآدميين .
وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ
كل منكر شرعا وعقلا ، معروف قبحه ، والأمر بالشيء والنهي عنه ، يدخل فيه ، ما لا يتم إلا به ، فإذا كان المعروف والمنكر ، يتوقف على تعلم وتعليم ، أجبروا الناس على التعلم والتعليم ، وإذا كان يتوقف ، على تأديب مقدر شرعا ، أو غير مقدر ، كأنواع التعزير ، قاموا بذلك ، وإذا كان يتوقف على جعل أناس ، متصدين له ، لزم ذلك ، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، إلا به .
وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ
أي : جميع الأمور ، ترجع إلى اللّه ، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى . فمن سلطه أي : على العباد ، من الملوك ، وقام بأمر اللّه ، كانت له العاقبة الحميدة ، والحالة الرشيدة . ومن تسلط عليهم ، بالجبروت ، وأقام فيهم هوى نفسه ، فإنه ، وإن حصل له ملك موقت ، فإن عاقبته غير حميدة ، فولايته مسئومة ، وعاقبته مذمومة . [ 42 ] يقول تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم : وإن يكذبك هؤلاء المشركون فلست بأول رسول كذب ، وليسوا بأول أمة ، كذبت رسولها .
فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ
أي : قوم شعيب .
وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ
المكذبين ، فلم أعاجلهم بالعقوبة بل أمهلتهم ، حتى استمروا في طغيانهم يعمهون ، وفي كفرهم وشرهم يزدادون .
ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ
بالعذاب أخذ عزيز مقتدر
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
، أي : إنكاري عليهم كفرهم ، وتكذيبهم كيف حاله ، كان أشد العقوبات ، وأفظع المثلات . فمنهم من أغرقه ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من أهلك بالريح العقيم . ومنهم من خسف به الأرض ، ومنهم من أرسل عليه عذاب يوم الظلة ، فليعتبر بهم ، هؤلاء المكذبون ، أن يصيبهم ما أصابهم ، فإنهم ليسوا خيرا منهم ، ولا كتب لهم براءة في الكتب المنزلة من اللّه ، وكم من المعذبين المهلكين أمثال هؤلاء كثير ، ولهذا قال : [ 45 ]
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ
أي : وكم من قرية
أَهْلَكْناها
بالعذاب الشديد ، والخزي الدنيوي .
وَهِيَ ظالِمَةٌ
بكفرها باللّه وتكذيبها لرسله ، لم يكن عقوبتنا لها ، ظلما منا .
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
أي : فديارهم متهدمة ، قصورها ، وجدرانها ، قد سقطت على عروشها ، فأصبحت خرابا ، بعد أن كانت عامرة ، وموحشة بعد أن كانت آهلة بأهلها آنسة .
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
أي : وكم من بئر ، قد كان يزدحم عليها الخلق ، لشربهم ، وشرب مواشيهم ، ففقد أهلها ، وعدم منها الوارد والصادر . وكم من قصر ، تعب عليه أهله ، فشيدوه ، ورفعوه ،