تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 639

مساهمون:

ص٦٣٩
للإسلام يتم لهم
أُولئِكَ
الموصوفون بما ذكر من السعي والمعاجزة
أَصْحابُ الْجَحِيمِ
أي : ملازمون للنار الموقدة ، المصاحبون لها في كلّ أوقاتهم ، فلا يخفف عنهم من عذابها ولا يفترّ عنهم لحظة من أليم عقابها . وحاصل المعنى . والذين أجهدوا أنفسهم في محاربة القرآن ، مسابقين المؤمنين في زعمهم ، معارضين لهم ، شاقين ، زاعمين - خطأ - أنهم بذلك يبلغون ما يريدون ، أولئك يخلدون في عذاب الجحيم . [ 52 ] يخبر تعالى بحكمته البالغة ، واختياره لعباده ، وأن اللّه ما أرسل قبل محمد
مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى
أي : قرأ قراءته ، التي يذكر بها الناس ، ويأمرهم وينهاهم .
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
أي : في قراءته ، من طرقه ، ومكايده ، ما هو مناقض لتلك القراءة ، مع أن اللّه تعالى ، قد عصم الرسل ، بما يبلغون عن اللّه ، وحفظ وحيه ، أن يشتبه ، أو يختلط بغيره . ولكن هذا إلقاء من الشيطان ، غير مستقر ، ولا مستمر ، وإنما هو عارض ، يعرض ، ثم يزول ، وللعوارض أحكام ، ولهذا قال :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
أي : يزيله ويذهبه ، ويبطله ، ويبين أنه ليس من آياته .
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
أي : يتقنها ، ويحررها ، ويحفظها ، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
« 1 » أي : كامل القوة والاقتدار . فبكمال قوته ، يحفظ وحيه ، ويزيل ما تلقيه الشياطين .
حَكِيمٌ
يضع الأشياء مواضعها ، فمن كمال حكمته ، مكّن الشياطين من الإلقاء المذكور ، ليحصل ما ذكره بقوله : [ 53 ]
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً
لطائفتين من الناس ، لا يبالي اللّه بهم .
لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي : ضعف وعدم إيمان تام ، وتصديق جازم ، فيؤثر في قلوبهم ، أدنى شبهة تطرأ عليها ، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان ، داخلهم الريب والشك ، فصار فتنة لهم .
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
أي : الغليظة ، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير ، ولا تفهم عن اللّه وعن رسوله لقسوتها ، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان ، جعلوه حجة لهم على باطلهم ، وجادلوا به وشاقّوا اللّه ورسوله ، ولهذا قال :
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
أي : مشاقة للّه ، ومعاندة للحق ، ومخالفة له ، بعيد من الصواب ، فما يلقيه الشيطان ، يكون فتنة لهؤلاء الطائفتين ، فيظهر به ما في قلوبهم ، من الخبث الكامن فيها ، وأما الطائفة الثالثة ، فإنه يكون رحمة في حقها . [ 54 ] وهم المذكورون بقوله :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
وأن اللّه منحهم من العلم ، ما به يعرفون الحقّ من الباطل ، والرشد من الغي ، فيفرقون بين الأمرين ، الحقّ المستقر ، الذي يحكمه اللّه ، والباطل العارض الذي ينسخه اللّه ، بما على كلّ منهما من الشواهد ، وليعلموا أن اللّه حكيم ، يقيض بعض أنواع الابتلاء ، ليظهر بذلك كمائن النفوس الخيرة والشريرة .
فَيُؤْمِنُوا بِهِ
بسبب ذلك ، ويزداد إيمانهم ، عند دفع المعارض والشبهة .
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
أي : تخشع وتخضع ، وتسلم لحكمته ، وهذا من هدايته إياهم .
وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا
بسبب إيمانهم
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
علم بالحق ، وعمل بمقتضاه ، فيثبت اللّه الذين آمنوا ، بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وهذا النوع ، من تثبيت اللّه لعبده . وهذه الآيات ، فيها بيان أن للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أسوة بإخوانه المرسلين ، لما وقع منه عند قراءته صلّى اللّه عليه وسلّم
وَالنَّجْمِ
فلما بلغ
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
( 20 ) ألقى الشيطان في قراءته « تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى » فحصل بذلك للرسول حزن وللناس فتنة ، كما ذكر اللّه ، فأنزل اللّه هذه الآيات . [ 55 ] يخبر تعالى عن حالة الكفار ، وأنهم لا يزالون في شك ، مما جئتهم به ، يا محمد ، لعنادهم ، وإعراضهم ، وأنهم لا يبرحون مستمرين على هذه الحال
حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
أي : مفاجأة
أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
أي : لا خير فيه ، وهو يوم القيامة . فإذا جاءتهم الساعة ، أو أتاهم ذلك اليوم ، علم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ،
هامش
( 1 ) في المطبوعة ( عزيز ) وعليه جرى التفسير وهو خطأ ، والصوابعَلِيمٌكما في القرآن الكريم وهو ما أثبتناه .