تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 634

مساهمون:

ص٦٣٤
طبقات الجو فتقذفه بعد أن تتقطع أعضاؤه في مكان بعيد جدا . [ 32 ] أي : ذلك الذي ذكرناه لكم ، من تعظيم حرماته وشعائره ، والمراد بالشعائر : أعلام الدين الظاهرة ، ومنها المناسك كلها ، كما قال تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
ومنها الهدايا والقربان للبيت . وتقدم أن معنى تعظيمها ، إجلالها ، والقيام بها ، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد ، ومنها الهدايا ، فتعظيمها ، باستحسانها واستسمانها ، وأن تكون مكملة من كلّ وجه ، فتعظيم شعائر اللّه ، صادر من تقوى القلوب ، فالمعظم لها ، يبرهن على تقواه ، وصحة إيمانه ، لأن تعظيمها ، تابع لتعظيم اللّه وإجلاله . [ 33 ]
لَكُمْ فِيها
أي : في الهدايا
مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
هذا في الهدايا المسوقة ، من البدن ونحوها ، ينتفع بها أربابها ، بالركوب ، والحلب ونحو ذلك ، مما لا يضرها
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
مقدر ، موقت وهو ذبحها ، إذا وصلت
مَحِلُّها
وهو
إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
أي : الحرم كله « منى » وغيرها ، فإذا ذبحت ، أكلوا منها ، وأهدوا ، وأطعموا البائس الفقير . [ 34 ] أي : ولكل أمة من الأمم السالفة ، جعلنا منسكا ، أي : فاستبقوا إلى الخيرات وسارعوا إليها ، ولننظر أيكم أحسن عملا ، والحكمة في جعل اللّه لكل أمة منسكا ، إقامة ذكره ، والالتفات لشكره . ولهذا قال :
لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
، وإن اختلفت أجناس الشرائع ، فكلها متفقة على هذا الأصل ، وهو : ألوهية اللّه ، وإفراده بالعبودية ، وترك الشرك به . ولهذا قال :
فَلَهُ أَسْلِمُوا
أي : انقادوا واستسلموا له لا لغيره ، فإن الإسلام له ، طريق الوصول إلى دار السّلام .
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
بخير الدنيا والآخرة ، والمخبت : الخاضع لربه ، المستسلم لأمره ، المتواضع لعباده . [ 35 ] ثمّ ذكر صفات المخبتين فقال :
الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
أي : خوفا وتعظيما ، فتركوا لذلك ، المحرمات ، لخوفهم ووجلهم من اللّه وحده .
وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ
من البأساء والضراء ، وأنواع الأذى فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك ، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم ، محتسبين ثوابه ، مرتقبين أجره .
وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ
أي : الّذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة ، بأن أدوا اللازم فيها والمستحب ، وعبوديتها الظاهرة والباطنة .
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة ، كالزكاة ، والكفارة ، والنفقة على الزوجات والمماليك ، والأقارب . والنفقات المستحبة ، كالصدقات بجميع وجوهها . وأتى بمن المفيدة للتبعيض ، ليعلم سهولة ما أمر اللّه به ، ورغب فيه ، وأنه جزء يسير مما رزق اللّه ، ليس للعبد في تحصيله قدرة ، لولا تيسير اللّه ، ورزقه إياه . فيا أيها المرزوق من فضل اللّه ، أنفق مما رزقك اللّه ينفق اللّه عليك ، ويزدك من فضله . [ 36 ] هذا دليل على أن الشعائر علم ، في جميع أعلام الدين الظاهرة . وتقدم أن اللّه أخبر أن من عظم شعائره ، فإن ذلك من تقوى القلوب وهنا أخبر ، أن من جملة شعائره ، البدن ، أي : الإبل ، والبقر ، على أحد القولين ، فتعظم وتسمن ، وتستحسن .
لَكُمْ فِيها خَيْرٌ
أي : للمهدي وغيره ، من الأكل ، والصدقة ، والانتفاع ، والثواب ،