تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
منه أنهم كانوا قبل ممنوعين ، فأذن اللّه لهم بقتال الّذين يقاتلونهم ، وإنّما أذن لهم ، لأنهم ظلموا ، بمنعهم من دينهم ، وأذيتهم عليه ، وإخراجهم من ديارهم .
وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
فليستنصروه ، وليستعينوا به . [ 40 ] ثمّ ذكر صفة ظلمهم فقال :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
أي : ألجئوا إلى الخروج ، بالأذية والفتنة
بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا
أن ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم
أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
أي : إلا لأنهم وحّدوا اللّه ، وعبدوه مخلصين له الدين ، فإن كان هذا ذنبا ، فهو ذنبهم كقوله تعالى :
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
( 8 ) . وهذا يدل على حكمة الجهاد ، فإن المقصود منه ، إقامة دين اللّه ، أو ذبّ الكفار المؤذين للمؤمنين ، البادئين لهم بالاعتداء ، عن ظلمهم ، واعتدائهم ، والتمكن من عبادة اللّه ، وإقامة الشرائع الظاهرة . ولهذا قال :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
فيدفع اللّه بالمجاهدين في سبيله ، ضرر الكافرين .
لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ
أي : لهدمت هذه المعابد الكبار ، لطوائف أهل الكتاب ، معابد اليهود ، والنصارى ، والمساجد للمسلمين .
يُذْكَرُ فِيهَا
أي : في هذه المعابد
اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً
تقام فيها الصلوات ، وتتلى فيها كتب اللّه ، ويذكر فيها ، اسم اللّه ، بأنواع الذكر ، فلو لا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض ، لاستولى الكفار على المسلمين ، فخربوا معابدهم ، وفتنوهم عن دينهم ، فدل هذا ، أن الجهاد مشروع ، لأجل دفع الصائل والمؤذي ، ومقصود لغيره . ودل ذلك ، على أن البلدان ، التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة اللّه ، وعمرت مساجدها ، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها ، من فضائل المجاهدين وبركتهم ، فبذلك دفع اللّه عنها الكافرين قال اللّه تعالى :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
. فإن قلت نرى الآن مساجد المسلمين عامرة لم تخرب ، مع أنها كثير منها إمارة صغيرة ، وحكومة غير منظمة ، مع أنهم لا بد لهم بقتال من جاورهم من الإفرنج . بل نرى المساجد التي تحت ولايتهم وسيطرتهم ، عامرة ، وأهلها آمنون مطمئنون ، مع قدرة ولاتهم ، من الكفار على هدمها واللّه أخبر أنه لولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض ، لهدمت هذه المعابد ، ونحن لا نشاهد دفعا . أجيب ، بأن جواب هذا السؤال والاستشكال ، داخل في عموم هذه الآية ، وفرد من أفرادها . فإن من عرف أحوال الدول الآن ونظامها ، وأنها تعتبر كلّ أمة وجنس ، تحت ولايتها ، وداخل في حكمها ، تعتبره عضوا من أعضاء المملكة ، وجزءا من أجزاء الحكومة ، سواء كانت تلك الأمة مقتدرة بعددها أو عددها ، أو مالها ، أو علمها ، أو خدمتها . فتراعي الحكومات ، مصالح ذلك الشعب ، الدينية والدنيوية ، وتخشى إن لم تفعل ذلك ، أن يختل نظامها ، وتفقد بعض أركانها ، فيقوم من أمر الدين بهذا السبب ما يقوم ، خصوصا المساجد ، فإنها - وللّه الحمد - في غاية الانتظام ، حتى في عواصم الدول الكبار . وتراعي تلك الدول ، الحكومات المستقلة ، نظرا لخواطر رعاياهم المسلمين مع وجود التحاسد والتباغض بين دول النصارى ، الذي أخبر اللّه أنه لا يزال إلى يوم القيامة ، فتبقى الحكومة المسلمة ، التي لا تقدر على أن تدافع عن نفسها ، سالمة من كثير ضررهم ، لقيام الحسد عندهم ، وفيما بينهم . فلا يقدر أحدهم ، أن يمد يده عليها ، خوفا من احتمائها بالآخر مع أن اللّه تعالى ، لا بد أن يري عباده من نصر الإسلام والمسلمين ، ما قد وعد به في كتابه . وقد ظهرت وللّه الحمد ، أسبابه ، بشعور المسلمين بضرورة رجوعهم إلى دينهم ، والشعور مبدأ العمل فنحمده ، ونسأله أن يتم نعمته . ولهذا قال في وعده الصادق المطابق للواقع :
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
، أي : يقوم بنصر دينه ، مخلصا له في ذلك ، يقاتل في سبيله ، لتكون كلمة اللّه هي العليا .
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
أي : كامل القوة ، عزيز لا يرام ، قد قهر الخلائق ، وأخذ بنواصيهم . فأبشروا ، يا معشر المسلمين ، فإنكم ، وإن ضعف عددكم ، وعددكم وقوي عدد عدوكم ، فإن ركنكم ، القوي العزيز ، ومعتمدكم على من خلقكم وخلق ما تعملون ، فاعملوا بالأسباب المأمور بها ، ثمّ اطلبوا منه نصركم ، فلا بد أن ينصركم .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
( 7 ) وقوموا ، أيها المسلمون ، بحق الإيمان والعمل الصالح ، فقد
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 636 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي