تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
المنتفعون بذلك ، علما وعملا . [ 49 ] ثم فسر المتقين فقال :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
أي : يخشونه في حال غيبتهم ، وعدم مشاهدة الناس لهم ، فمع المشاهدة أولى ، فيتورعون عما حرم ، ويقومون بما ألزم .
وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
أي : خائفون وجلون ، لكمال معرفتهم بربهم ، فجمعوا بين الإحسان والخوف ، والعطف ، هنا ، من باب عطف الصفات المتغايرات ، الواردة على شيء واحد ، وموصوف واحد . [ 50 ]
وَهذا
أي : القرآن
ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ
فوصفه بوصفين جليلين ، كونه ذكرا يتذكر به جميع المطالب ، من معرفة اللّه بأسمائه وصفاته وأفعاله ، ومن صفات الرسل والأولياء وأحوالهم ، ومن أحكام الجزاء ، والجنة ، والنار ، فيتذكر به المسائل والدلائل العقلية والنقلية ، وسماه ذكرا ، لأنه يذكر ما ركزه اللّه في العقول والفطر ، من التصديق بالأخبار الصادقة ، والأمر بالحسن عقلا ، والنهي عن القبيح عقلا ، وكونه مباركا يقتضي كثرة خيره ونمائه ، وزيادته ، ولا شيء أعظم بركة من هذا القرآن ، فإن كل خير ونعمة ، وزيادة دينية أو دنيوية ، أو أخروية ، فإنها بسببه ، وأثر عن العمل به . فإذا كان ذكرا مباركا ، وجب تلقيه بالقبول والانقياد ، والتسليم ، وشكر اللّه على هذه المنحة الجليلة ، والقيام بها ، واستخراج بركته ، بتعلم ألفاظه ومعانيه ، ومقابلته بضد هذه الحالة ، من الإعراض عنه ، والإضراب عنه صفحا ، وإنكاره ، وعدم الإيمان به فهذا من أعظم الكفر وأشد الجهل والظلم ، ولهذا أنكر تعالى ، على من أنكره فقال :
أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
. [ 51 ] لما ذكر تعالى موسى ومحمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكتابيهما قال :
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ
أي : من قبل إرسال موسى ومحمد ، ونزول كتابيهما . فأراه اللّه ملكوت السماوات والأرض ، وأعطاه من الرشد ، الذي كمل به نفسه ، ودعا الناس إليه ، ما لم يؤته أحدا من العالمين ، غير محمد ، وأضاف الرشد إليه ، لكونه رشدا بحسب حاله ، وعلو مرتبته ، وإلا ، فلا مؤمن ، له من الرشد ، بحسب ما معه في الإيمان .
وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
أي : أعطيناه رشده ، واختصصناه بالرسالة والخلة ، واصطفيناه في الدنيا والآخرة ، لعلمنا أنه أهل لذلك ، وكفء له ، لزكائه وذكائه ، ولهذا ذكر محاجته لقومه ، ونهيهم عن الشرك ، وتكسير الأصنام ، وإلزامهم بالحجة . [ 52 ] فقال :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ
التي مثلتموها ونحتموها بأيديكم ، على صور بعض المخلوقات
الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ
مقيمون على عبادتها ، ملازمون لذلك ، فما هي ؟ وأي فضيلة ثبتت لها ؟ وأين عقولكم ، التي ذهبت حتى أفنيتم أوقاتكم بعبادتها ؟ والحال أنكم مثلتموها ، ونحتموها بأيديكم ، فهذا من أكبر العجائب ، تعبدون ما تنحتون . [ 53 ] فأجابوا بغير حجة ، جواب العاجز ، الذي ليس بيده أدنى شبهة فقالوا :
وَجَدْنا آباءَنا
كذلك يفعلون ، فسلكنا سبيلهم ، واتبعناهم على عبادتها . [ 54 ] ومن المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل ، ليس بحجة ، ولا تجوز به القدوة : خصوصا ، في أصل
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 617 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي