تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
إلى الوصول ، إلى مطالبهم من البلدان ، ولعلهم يهتدون بالاستدلال بذلك على وحدانية المنان . [ 32 - 33 ]
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً
للأرض التي أنتم عليهم
مَحْفُوظاً
من السقوط
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
محفوظا أيضا من استراق الشياطين للسمع .
وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ
أي : غافلون لاهون ، وهذا عام في جميع آيات السماء ، من علوها ، وسعتها ، وعظمتها ، ولونها الحسن ، وإتقانها العجيب ، وغير ذلك من المشاهد فيها ، من الكواكب الثوابت ، والسيارات ، وشمسها ، وقمرها النيران ، المتولد عنهما ، الليل والنهار ، وكونهما دائما في فلكهما سابحين ، وكذلك النجوم . فتقوم بسبب ذلك منافع العباد من الحر والبرد ، والفصول ، ويعرفون حساب عباداتهم ومعاملاتهم ، ويستريحون في ليلهم ، ويهدءون ويسكنون وينتشرون في نهارهم ، ويسعون في معايشهم . كل هذه الأمور إذا تدبرها اللبيب ، وأمعن فيها النظر ، جزم جزما لا شك فيه ، أن اللّه جعلها مؤقتة في وقت معلوم ، إلى أجل محتوم ، يقضي العباد منها مآربهم ، وتقوم بها منافعهم ، وليستمتعوا وينتفعوا . ثمّ بعد هذا ، ستزول وتضمحل ، ويفنيها الذي أوجدها ، ويسكنها الذي حركها . وينتقل المكلفون إلى دار غير هذه الدار ، يجدون فيها جزاء أعمالهم ، كاملا موفرا ويعلم أن المقصود من هذه الدار أن تكون مزرعة لدار القرار ، وأنها منزل سفر ، لا محل إقامة . [ 34 ] لما كان أعداء الرسول يقولون :
نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
قال اللّه تعالى : هذا طريق مسلوك ومعبد ، منهوك ، فلم نجعل لبشر
مِنْ قَبْلِكَ
يا محمد
الْخُلْدَ
في الدنيا ، فإذا مت ، فسبيل أمثالك ، من الرسل والأنبياء ، والأولياء .
أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
أي : فهل إذا مت خلّدوا بعدك ، فليهنهم الخلود ، إذا ، إن كان ، وليس الأمر كذلك ، بل كل من عليها فان ، ولهذا قال :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
، وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق ، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى ، وعمر سنين . [ 35 ] ولكن اللّه تعالى ، أوجد عباده في الدنيا ، وأمرهم ، ونهاهم ، وابتلاهم بالخير والشر ، وبالغنى والفقر ، والعز والذل ، والحياة والموت ، فتنة منه تعالى
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو .
وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
فنجازيكم بأعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
. وهذه الآية ، تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر ، وأنه مخلد في الدنيا ، فهو قول ، لا دليل عليه ، ومناقض للأدلة الشرعية . [ 36 ] وهذا من شدة كفرهم ، فإن المشركين إذا رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، استهزءوا به ، وقالوا :
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
، أي : هذا المحتقر بزعمهم ، الذي يسب آلهتكم ويذمها ، ويقع فيها ، أي : فلا تبالوا به ، ولا تحتفلوا به . هذا استهزاؤهم واحتقارهم له ، بما هو من كماله ، فإنه الأكمل الأفضل الذي من فضائله ومكارمه ، إخلاص العبادة للّه ، وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه ، وذكر محله ومكانته . ولكن محل الازدراء والاستهزاء ، هؤلاء الكفار ، الّذين جمعوا كل خلق ذميم ، ولو لم يكن إلا كفرهم بالرب ، وجحدهم لرسله فصاروا بذلك ، من أخسأ