تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
الخلق وأراذلهم ، ومع هذا ، فذكرهم للرحمن ، الذي هو أعلى حالاتهم ، كافرون به ، لأنهم لا يذكرونه ولا يؤمنون به إلا وهم مشركون فذكرهم كفر وشرك ، فكيف بأحوالهم بعد ذلك ؟ ولهذا قال :
وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ
وفي ذكر اسمه
الرَّحْمنِ
هنا ، بيان لقباحة حالهم ، وأنهم كيف قابلوا الرحمن - مسدي النعم كلها ، ودافع النقم الذي ، ما بالعباد من نعمة إلا منه ، ولا يدفع السوء إلا هو - بالكفر والشرك . [ 37 ]
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
أي : خلق عجولا ، يبادر الأشياء ، ويستعجل وقوعها ، فالمؤمنون ، يستعجلون عقوبة اللّه للكافرين ، ويستبطئونها ، والكافرون ، يتولون ويستعجلون بالعذاب ، تكذيبا وعنادا . [ 38 ] ويقولون :
مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
واللّه تعالى ، يمهل ولا يهمل ويحلم ، ويجعل لهم أجلا مؤقتا
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ *
. ولهذا قال :
سَأُرِيكُمْ آياتِي
أي : في انتقامي ممن كفر بي وعصاني
فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
ذلك ، وكذلك الّذين كفروا
يَقُولُونَ : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
قالوا هذا القول ، اغترارا ، ولما يحق عليهم العقاب ، وينزل بهم العذاب . [ 39 ] ف
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
حالهم الشنيعة
حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ
إذ قد أحاط بهم من كل جانب وغشيهم من كل مكان
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
أي : لا ينصرهم غيرهم ، فلا نصروا ولا انتصروا . [ 40 ]
بَلْ تَأْتِيهِمْ
النار
بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ
من الانزعاج والذعر والخوف العظيم .
فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها
إذ هم أذل وأضعف ، من ذلك .
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
أي : يمهلون ، فيؤخر عنهم العذاب ، فلو علموا هذه الحالة حق المعرفة ، لما استعجلوا بالعذاب ، ولخافوه أشد الخوف ، ولكن لما ترحل عنهم هذا العلم ، قالوا ما قالوا ، ولما ذكر استهزاءهم برسوله بقولهم
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
سلّاه بأن هذا دأب الأمم السالفة مع رسلهم فقال : [ 41 ]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ
، أي : نزل بهم
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي : نزل بهم العذاب ، وتقطعت عنهم الأسباب ، فليحذر هؤلاء ، أن يصيبهم ما أصاب أولئك المكذبين . [ 42 ] يقول تعالى - ذاكرا عجز هؤلاء ، الّذين اتخذوا من دونه آلهة ، وأنهم محتاجون مضطرون إلى ربهم الرحمن ، الذي رحمته ، شملت البرّ ، والفاجر ، في ليلهم ونهارهم فقال :
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ
أي : يحرسكم ويحفظكم
بِاللَّيْلِ
إذا كنتم نائمين على فرشكم ، وذهبت حواسكم
وَالنَّهارِ
وقت انتشاركم وغفلتكم
مِنَ الرَّحْمنِ
أي : بدله غيره ، أي : هل يحفظكم أحد غيره ؟ لا حافظ إلا هو .
بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
فلهذا أشركوا به ، وإلا فلو أقبلوا على ربهم ، وتلقوا نصائحه ، لهدوا لرشدهم ، ووفّقوا في أمرهم . [ 43 ]
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا
أي : إذا أردناهم بسوء هل من آلهتهم ، من يقدر على منعهم من ذلك السوء ، والشر النازل بهم .
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ
أي : لا يعانون على أمورهم من
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 615 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي