تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
جهتنا ، وإذا لم يعانوا من اللّه ، فهم مخذولون في أمورهم ، لا يستطيعون جلب منفعة ، ولا دفع مضرة . [ 44 ] والذي أوجب لهم استمرارهم على كفرهم ، وشركهم قوله :
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
أي : أمددناهم بالأموال والبنين ، وأطلنا أعمارهم ، فاشتغلوا بالتمتع بها ، ولهوا بها ، عما له خلقوا ، وطال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم ، وعظم طغيانهم ، وتغلظ كفرانهم ، فلو لفتوا أنظارهم إلى من عن يمينهم ، وعن يسارهم من الأرض ، لم يجدوا إلا هالكا ، ولم يسمعوا إلا صوت ناعية ، ولم يحسوا إلا بقرون متتابعة على الهلاك ، وقد نصب الموت في كل طريق لاقتناص النفوس ، الأشراك . ولهذا قال :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
أي : بموت أهلها وفنائهم ، شيئا فشيئا ، حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين . فلو رأوا هذه الحالة ، لم يغتروا ، ويستمروا على ما هم عليه .
أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
الّذين بوسعهم ، الخروج عن قدر اللّه ؟ وبطاقتهم الامتناع عن الموت ؟ فهل هذا وصفهم حتّى يغتروا بطول البقاء ؟ أم إذا جاءهم رسول ربهم لقبض أرواحهم ، أذعنوا ، وذلوا ، ولم يظهر منهم أدنى ممانعة ؟ [ 45 ] أي :
قُلْ
يا محمد ، للناس كلهم :
إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ
أي : إنّما أنا رسول ، لا آتيكم بشيء من عندي ، ولا عندي خزائن اللّه ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول إني ملك ، وإنّما أنذركم بما أوحاه اللّه إليّ ، فإن استجبتم ، فقد استجبتم للّه ، وسيثيبكم على ذلك ، وإن أعرضتم وعارضتم ، فليس بيدي من الأمر شيء ، وإنّما الأمر للّه ، والتقدير كله للّه .
وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ
أي : الأصم لا يسمع صوتا ، لأن سمعه قد فسد وتعطل ، وشرط السماع مع الصوت ، أن يوجد محل قابل لذلك ، كذلك الوحي سبب لحياة القلوب والأرواح ، والفقه عن اللّه ، ولكن إذا كان القلب غير قابل لسماع الهدى ، كان بالنسبة للهدى والإيمان ، بمنزلة الأصم ، بالنسبة إلى الأصوات ، فهؤلاء المشركون ، صم عن الهدى ، فلا يستغرب عدم اهتدائهم ، خصوصا في هذه الحالة ، التي لم يأتهم العذاب ، ولا مسّهم ألمه . [ 46 ]
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ
أي : ولو جزء يسير من عذابه .
لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
أي : لم يكن قولهم إلا الدعاء بالويل والثبور ، والندم ، والاعتراف بظلمهم وكفرهم واستحقاقهم العذاب . [ 47 ] يخبر تعالى عن حكمه العدل ، وقضائه القسط بين عباده إذا جمعهم يوم القيامة ، وأنه يضع لهم الموازين العادلة ، التي يبين فيها مثاقيل الذر ، الذي توزن به الحسنات والسيئات .
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ
مسلمة ولا كافرة
شَيْئاً
بأن تنقص من حسناتها ، أو يزاد في سيئاتها .
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
التي هي أصغر الأشياء وأحقرها ، من خير أو شر
أَتَيْنا بِها
وأحضرناها ، ليجازى بها صاحبها ، كقوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
( 8 ) .
وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً
.
وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
يعني بذلك نفسه الكريمة ، فكفى بها حاسبا ، أي : عالما بأعمال العباد ، حافظا لها ، مثبتا لها في الكتاب ، عالما بمقاديرها ومقادير ثوابها واستحقاقها ، موصلا للعمال جزاءها . [ 48 ] كثيرا ما يجمع تعالى ، بين هذين الكتابين الجليلين ، اللذين لم يطرق العالم أفضل منهما ، ولا أعظم ذكرا ، ولا أبرك ، ولا أعظم هدى وبيانا ، وهما : التوراة والقرآن . فأخبر أنه آتى موسى أصلا ، وهارون تبعا
الْفُرْقانَ
وهي التوراة الفارقة بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، وأنها
ضِياءً
أي : نور يهتدي به المهتدون ، ويأتم به السالكون ، وتعرف به الأحكام ، ويميز به بين الحلال والحرام ، وينير في ظلمة الجهل والبدع والغواية .
وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
يتذكرون به ، ما ينفعهم ، وما يضرهم ، ويتذكر به الخير والشر ، وخص المتقين بالذكر ، لأنهم