تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
يحشرون زرقا ألوانهم من الخوف والقلق ، والعطش ، يتناجون بينهم ، ويتخافتون في قصر مدة الدنيا ، وسرعة الآخرة ، فيقول بعضهم : ما لبثتم إلّا عشرة أيام ، ويقول بعضهم غير ذلك ، واللّه يعلم تخافتهم ، ويسمع ما يقولون
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً
، أي : أعدلهم وأقربهم إلى التقدير
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
. المقصود من هذا ، الندم العظيم ، كيف ضيعوا الأوقات القصيرة ، وقطعوها ساهين لاهين ، معرضين عما ينفعهم ، مقبلين على ما يضرهم ، فها قد حضر الجزاء ، وحق الوعيد ، فلم يبق إلّا الندم والدعاء ، بالويل والثبور . كما قال تعالى :
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 ) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 114 ) . [ 105 - 107 ] يخبر تعالى عن أهوال القيامة ، وما فيها من الزلازل والقلاقل ، فقال :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ
أي : ما ذا يصنع بها يوم القيامة ، وهل تبقى بحالها أم لا ؟
فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً
أي : يزيلها ويقلعها من أماكنها فتكون كالعهن ، وكالرمل ، ثمّ يدكها فيجعلها هباء منبثا ، فتضمحل وتتلاشى ، ويسويها بالأرض ، ويجعل الأرض قاعا صفصفا ، مستويا لا يرى فيها الناظر
عِوَجاً
، هذا من تمام استوائها
وَلا أَمْتاً
أي : أودية وأماكن منخفضة ، أو مرتفعة ، فتبرز الأرض ، وتتسع للخلائق ويمدها اللّه مدّ الأديم ، فيكونون في موقف واحد ، يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر . [ 108 ] ولهذا قال :
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ
وذلك حين يبعثون من قبورهم ، ويقومون منها ، يدعوهم الداعي إلى الحضور والاجتماع للموقف ، فيتبعون مهطعين إليه ، لا يلتفتون عنه ، ولا يعرجون يمنة ولا يسرة . وقوله :
لا عِوَجَ لَهُ
أي : لا عوج لدعوة الداعي بل تكون دعوته حقا وصدقا ، لجميع الخلق ، يسمعهم جميعهم ، ويصيح لهم أجمعين ، فيحضرون لموقف القيامة ، خاشعة أصواتهم للرحمن .
فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
أي : إلّا وطء الأقدام ، أو المخافتة سرا بتحريك الشفتين فقط ، يملكهم الخشوع والسكوت ، والإنصات ، انتظارا لحكم الرحمن فيهم ، وتعنو وجوههم أي : تذل وتخضع ، فترى في ذلك الموقف العظيم ، الأغنياء والفقراء ، والرجال والنساء ، والأحرار والأرقاء ، والملوك والسوقة ، ساكتين منصتين ، خاشعة أبصارهم ، خاضعة رقابهم ، جاثين على ركبهم ، عانية وجوههم ، لا يدرون ما ذا ينفصل كل منهم به ، ولا ما ذا يفعل به ، قد اشتغل كلّ بنفسه وشأنه ، عن أبيه وأخيه ، وصديقه وحبيبه
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) ، يحكم فيه الحاكم العدل الديان ، ويجازي المحسن بإحسانه ، والمسئ بالحرمان . والأمل بالرب الكريم ، الرحمن الرحيم ، أن يرى الخلائق منه ، من الفضل والإحسان ، والعفو والصفح والغفران ، ما لا تعبر عنه الألسنة ، ولا تتصوره الأفكار . ويتطلع لرحمته إذ ذاك ، جميع الخلق لما يشاهدونه فيختص المؤمنون به وبرسله ، بالرحمة ، فإن قيل : من أين لكم هذا الأمل ؟ وإن شئت قلت : من أين لكم هذا العلم بما ذكر ؟ قلنا : لما نعلمه من غلبة رحمته لغضبه ، ومن سعة جوده ، الذي عم جميع البرايا ، ومما نشاهده في أنفسنا وفي غيرنا ، من النعم المتواترة في هذه الدار ، وخصوصا في فضل القيامة ، فإن قوله :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ
،
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
مع قوله :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ
مع قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه مائة رحمة أنزل لعباده رحمة ، بها يتراحمون ويتعاطفون ، حتى إن البهيمة ترفع حافرها عن ولدها ، خشية أن تطأه ، من الرحمة المودعة في قلبها ، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة ، فرحم بها العباد » . مع قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اللّه أرحم بعباده من الوالدة بولدها » ، فقل ما شئت عن رحمته ، فإنها فوق ما تقول ، وتصور فوق ما شئت ، فإنها فوق ذلك ، فسبحان من رحم في عدله وعقوبته ، كما رحم في فضله وإحسانه ومثوبته . وتعالى من وسعت رحمته كل شيء ، وعم كرمه كل حي وجلّ من غني عن عباده ، رحيم بهم ، وهم مفتقرون إليه على الدوام ، في جميع أحوالهم ، فلا غنى لهم عنه ، طرفة عين . [ 109 - 112 ] وقوله :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
( 109 ) أي : لا يشفع أحد عنده