تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
تعاقب في الحياة عقوبة ، لا يدنو منك أحد ، ولا يمسك أحد ، حتى إن من أراد القرب منك ، قلت : لا تمسني ، ولا تقرب مني ، عقوبة على ذلك ، حيث مس ما لم يمسه غيره ، وأجرى ما لم يجره أحد .
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ
فتجازى بعملك ، من خير وشر .
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً
أي : العجل
لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
ففعل موسى ذلك . فلو كان إلها ، لامتنع ممن يريده بأذى ، ويسعى له بالإتلاف ، وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل . فأراد موسى عليه السّلام ، إتلافه - وهم ينظرون ، على وجه لا تمكن إعادته - وبالحرق والسحق ذريه في اليم ، ونسفه ، ليزول ما في قلوبهم من حبه ، كما زال شخصه ، ولأن في إبقائه ، محنة لأن في النفوس ، أقوى داع إلى الباطل . فلما تبين لهم بطلانه ، أخبرهم بمن يستحق العبادة وحده لا شريك له . [ 98 - 99 ] فقال :
إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
( 98 ) . أي : لا معبود إلّا وجهه الكريم ، فلا يؤله ، ولا يحبّ ، ولا يرجى ولا يخاف ، ولا يدعى إلّا هو لأنه الكامل الذي له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، المحيط علمه ، بجميع الأشياء ، الذي ما من نعمة بالعباد ، إلّا منه ، ولا يدفع السوء إلّا هو . فلا إله إلّا هو ، ولا معبود سواه . يمتن اللّه تعالى على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بما قصه عليه من أنباء السابقين ، وأخبار السالفين ، كهذه القصة العظيمة ، وما فيها من الأحكام وغيرها ، التي لا ينكرها أحد من أهل الكتاب ، فأنت لم تدرس أخبار الأولين ، ولم تتعلم ممن دراها ، فإخبارك بالحق اليقين من أخبارهم ، دليل على أنك رسول اللّه حقا ، وما جئت به صدق . ولهذا قال :
وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا
أي : عطية نفيسة ومنحة جزيلة من عندنا .
ذِكْراً
وهو : هذا القرآن الكريم ، ذكر للأخبار السابقة واللاحقة ، وذكر يتذكر به ما للّه تعالى من الأسماء ، والصفات الكاملة ، ويتذكر به أحكام الأمر والنهي ، وأحكام الجزاء . وهذا مما يدل على أن القرآن مشتمل على أحسن ما يكون من الأحكام ، التي تشهد العقول والفطر ، بحسنها ، وكمالها ، ويذكر هذا القرآن ما أودع اللّه فيها . وإذا كان القرآن ذكرا للرسول ولأمته ، فيجب تلقيه بالقبول والتسليم ، والانقياد ، والتعظيم ، وأن يهتدى بنوره إلى الصراط المستقيم ، وأن يقبلوا عليه بالتعلم والتعليم . وأما مقابلته بالإعراض ، أو ما هو أعم منه من الإنكار فإنه كفر لهذه النعمة ، ومن فعل ذلك ، فهو مستحق للعقوبة . [ 100 ] ولهذا قال :
مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ
فلم يؤمن به ، أو تهاون بأوامره ونواهيه ، أو بتعلم معانيه الواجبة
فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً
وهو ذنبه ، الذي بسببه ، أعرض عن القرآن وأولاه الكفر والهجران . [ 101 ]
خالِدِينَ فِيهِ
أي : في وزرهم ، لأن العذاب هو نفس الأعمال ، تنقلب عذابا على أصحابها ، بحسب صغرها وكبرها .
وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا
أي : بئس الحمل الذي يحملونه ، والعذاب الذي يعذبونه يوم القيامة . [ 102 - 105 ] ثمّ استطرد ، فذكر أحوال يوم القيامة وأهواله فقال :
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
إلى
إِلَّا يَوْماً
. أي : إذا نفخ في الصور ، وخرج الناس من قبورهم كلّ على حسب حاله ، فالمتقون يحشرون إلى الرحمن وفدا ، والمجرمون
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 601 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي