تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
تأثمنا من زينة القوم التي عندنا ، وكانوا فيما يذكرون ، استعاروا حليا كثيرا من القبط ، فخرجوا وهو معهم ، وألقوه ، وجمعوه حين ذهب موسى ، ليراجعوه فيه ، إذا رجع . [ 88 ] وكان السامري قد بصر يوم الغرق بأثر الرسول ، فسولت له نفسه أن يأخذ قبضة من أثره ، وأنه إذا ألقاها على شيء حيي ، فتنة وامتحانا ، فألقاها على ذلك العجل الذي صاغه بصورة عجل ، فتحرك العجل ، وصار له خوار وصوت ، وقالوا : إن موسى ذهب يطلب ربه ، وهو هاهنا ، فنسيه ، وهذا من بلادتهم ، وسخافة عقولهم ، حيث رأوا هذا العجل الغريب الذي صار له خوار ، بعد أن كان جمادا ، فظنوه إله الأرض والسماوات . [ 89 ]
أَ فَلا يَرَوْنَ
أن العجل
أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا
أي : لا يتكلم ويراجعهم ويراجعونه ، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، فالعبادة للكمال والكلام والفعال ، لا يستحق أن يعبد وهو أنقض من عابديه . فإنهم يتكلمون ويقدرون على بعض الأشياء ، من النفع والدفع ، بإقدار اللّه لهم . [ 90 - 91 ] أي : إنهم باتخاذهم العجل ، ليسوا معذورين فيه ، فإنه ، وإن كانت عرضت لهم الشبهة في أصل عبادته ، فإن هارون قد نهاهم عنه ، وأخبرهم أنه فتنة ، وأن ربهم الرحمن ، الذي منه النعم الظاهرة والباطنة ، الدافع للنقم . وأنه أمرهم أن يتبعوه ، ويعتزلوا العجل ، فأبوا وقالوا :
لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
. [ 92 - 93 ] فأقبل موسى على أخيه لائما وقال :
يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ
فتخبرني لأبادر للرجوع إليهم ؟
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
في قولي :
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
. [ 94 ] فأخذ موسى برأس هارون ولحيته ، يجره من الغضب والعتب عليه ، فقال هارون :
يَا بْنَ أُمَّ
ترقيق له ، وإلّا فهو شقيقه
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
. فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم ، فلو تبعتك ، لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك ، و
أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
حيث تركتهم ، وليس عندهم راع ولا خليفة ، فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم ، فلا تجعلني مع القوم الظالمين ، ولا تشمت فينا الأعداء . فندم موسى على ما صنع بأخيه ، وهو غير مستحق لذلك ف
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
. [ 95 ] ثمّ أقبل على السامري ، ف
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ
( 95 ) إلى
فِي الْيَمِّ نَسْفاً
. أي : ما شأنك يا سامري ، حيث فعلت ما فعلت ؟ فقال : [ 96 ]
بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
وهو جبريل عليه السّلام ، على فرس رآه وقت خروجهم من البحر ، وغرق فرعون وجنوده على ما قاله المفسرون ، فقبضت قبضة من أثر حافر فرسه ، فنبذتها على العجل .
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
أن أقبضها ، ثمّ أنبذها ، فكان ما كان . [ 97 ] فقال له موسى :
فَاذْهَبْ
أي : تباعد عني واستأخر مني
فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ
أي :