تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
الأهواء جملة ، كالرافضة ، وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء . انتهى . [ 80 ] ذكر أفعالهم القبيحة ، ثم ذكر - مع هذا - أنهم يزكون أنفسهم ، ويشهدون لها بالنجاة من عذاب اللّه ، والفوز بثوابه ، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ، أي : قليلة تعد بالأصابع ، فجمعوا بين الإساءة والأمن . ولما كان هذا مجرد دعوى ، رد اللّه تعالى عليهم ، فقال :
قُلْ
لهم يا أيها الرسول
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
، أي : بالإيمان به وبرسله وبطاعته ، فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا يتغير ولا يتبدل ،
أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
؟ فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقف على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما . إما أن يكونوا قد اتخذوا عند اللّه عهدا ، فتكون دعواهم صحيحة . وإما أن يكونوا متقولين عليه ، فتكون كاذبة ، فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم . وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند اللّه عهدا ، لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء ، حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم ، ولنكولهم عن طاعة اللّه ونقضهم المواثيق ، فتعين بذلك ، أنهم متقولون مختلقون ، قائلون عليه ما لا يعلمون ، والقول عليه بلا علم من أعظم المحرمات ، وأشنع القبيحات . [ 81 ] ثم ذكر تعالى حكما عاما لكل أحد ، يدخل فيه بنو إسرائيل وغيرهم ، وهو الحكم الذي لا حكم غيره ، لا أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين ، فقال :
بَلى
، أي : ليس الأمر كما ذكرتم ، فإنه قول لا حقيقة له ، ولكن
مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً
وهو نكرة في سياق الشرط ، فيعم الشرك فما دونه ، والمراد به - هنا - الشرك ، بدليل قوله :
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
، أي : أحاطت بعاملها ، فلم تدع له منفذا ، وهذا لا يكون إلا الشرك ، فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته .
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
، وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية ، وهي حجة عليهم كما ترى ، فإنها ظاهرة في الشرك ، وهكذا كل مبطل يحتج بآية ، أو حديث صحيح على قوله الباطل ، فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه . [ 82 ]
وَالَّذِينَ آمَنُوا
باللّه ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ،
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين : أن تكون خالصة لوجه اللّه ، متبعا بها سنة رسوله . فحاصل هاتين الآيتين ، أن أهل النجاة والفوز هم أهل الإيمان والعمل الصالح ، والهالكون أهل النار هم المشركون باللّه ، الكافرون به . فهذه الشرائع من أصول الدين ، التي أمر اللّه بها في كل شريعة ، لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان ، فلا يدخلها نسخ ، كأصل الدين ، ولهذا أمرنا بها في قوله :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
إلى آخر الآية . [ 83 ] فقوله :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
، هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به ، استعصوا فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة ، والعهود الموثقة .
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
هذا أمر بعبادة اللّه وحده ، ونهي عن الشرك به ، وهذا أصل الدين ، فلا تقبل الأعمال كلها ، إن لم يكن هذا أساسها ، فهذا حق اللّه تعالى على عباده ، ثم قال :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
، أي : أحسنوا بالوالدين إحسانا ، وهذا يعم كل إحسان ، قولي وفعلي ، مما هو إحسان إليهم ، وفيه النهي
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 57 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي