تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
نزيده من أنواع العقوبات ، كما ازداد من الغي والضلال . [ 80 ]
وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ
أي : نرثه ماله وولده ، فينتقل من الدنيا فردا ، بلا مال ولا أهل ولا أنصار ، ولا أعوان
وَيَأْتِينا فَرْداً
فيرى من وخيم العقاب ، ما هو جزاء أمثاله من الظالمين . [ 81 - 83 ] وهذا من عقوبة الكافرين أنهم - لما لم يعتصموا باللّه ، ولم يتمسكوا بحبل اللّه ، بل أشركوا به ووالوا أعداءه ، من الشياطين - سلطهم عليهم ، وقيضهم ، فجعلت الشياطين ، تؤزهم إلى المعاصي أزا ، وتزعجهم إلى الكفر إزعاجا ، فيوسوسون لهم ، ويوحون إليهم ، ويزينون لهم الباطل ، ويقبحون لهم الحق ، فيدخل حب الباطل في قلوبهم ، ويتشربها فيسعى فيه سعي المحق في حقه فينصره بجده ، ويجاهد أهل الحق في سبيل الباطل . وهذا كله ، جزاء له على توليه من وليه وتوليه لعدوه جعل له عليه سلطانه . وإلا فلو آمن باللّه ، وتوكل عليه ، لم يكن له عليه سلطان كما قال تعالى :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
( 100 ) . [ 84 ]
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ
أي : على هؤلاء الكفار المستعجلين بالعذاب
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
أي : أن لهم أياما معدودة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون ، نمهلهم ونحلم عنهم مدة ليراجعوا أمر اللّه ، فإذا لم ينجع فيهم ذلك أخذناهم أخذ عزيز مقتدر . [ 85 ] يخبر تعالى عن تفاوت الفريقين ، المتقين ، والمجرمين ، وأن المتقين له - باتقاء الشرك والبدع والمعاصي - يحشرهم إلى موقف القيامة مكرمين ، مبجلين معظمين ، وأن مآلهم الرحمن ، وقصدهم المنان ، وفدا إليه ، والوافد ، لا بد أن يكون في قلبه ، من الرجاء ، وحسن الظن بالوافد إليه ، ما هو معلوم . فالمتقون ، يفدون إلى الرحمن ، راجين من رحمته ، وعميم إحسانه ، والفوز بعطاياه في دار رضوانه ، وذلك بسبب ما قدموه من العمل بتقواه ، واتباع مراضيه ، وأن اللّه عهد إليهم بذلك الثواب ، على ألسنة رسله فتوجهوا إلى ربهم مطمئنين به ، واثقين بفضله . [ 86 ] وأما المجرمون ، فإنهم يساقون إلى جهنم وردا ، أي : عطاشا ، وهذا أبشع ما يكون من الحالات سوقهم على وجه الذل والصغار ، إلى أعظم سجن وأفظع عقوبة ، وهو جهنم ، في حال ظمئهم ونصبهم ، يستغيثون ، فلا يغاثون ويدعون ، فلا يستجاب لهم ، ويستشفعون ، فلا يشفع لهم . [ 87 ] ولهذا قال :
لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ
أي : ليست الشفاعة ملكهم ، ولا لهم منها شيء ، وإنما هي للّه تعالى
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً
. وقد أخبر أنه لا تنفعهم شفاعة الشافعين ، لأنهم لم يتخذوا عنده عهدا بالإيمان به وبرسله ، وإلا ، فمن اتخذ عنده عهدا فآمن به وبرسله ، واتبعهم ، فإنه ممن ارتضاه اللّه ، وتحصل له الشفاعة كما قال تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
وسمى اللّه الإيمان به ، واتباع رسله ، عهدا ، لأنه عهد في كتبه ، وعلى ألسنة رسله ، بالجزاء الجميل ، لمن اتبعهم . [ 88 ] وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين ، الّذين زعموا أن الرحمن اتخذ ولدا كقول النصارى
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
واليهود
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
والمشركين « الملائكة بنات اللّه » تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا .
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
( 89 ) أي : عظيما وخيما . [ 90 ] من عظيم أمره أنه
تَكادُ السَّماواتُ
على عظمتها وصلابتها
يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
أي : من هذا القول
وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ
منه ، تتصدع وتنفطر
وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
أي : تندك الجبال . [ 91 ]
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
( 91 ) أي : من أجل هذه الدعوى القبيحة ، تكاد هذه المخلوقات ، أن يكون منها ما ذكر . [ 92 ] والحال أنه :
وَما يَنْبَغِي
أي : لا يليق ولا يكون
لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
وذلك لأن اتخاذه الولد ، يدل
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 585 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي