تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
[ 76 ] لما ذكر أنه يمد للظالمين في ضلالهم ، ذكر أنه يزيد المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته . والهدى يشمل العلم النافع ، والعمل الصالح . فكل من سلك طريقا في العلم والإيمان ، والعمل الصالح ، زاده اللّه منه وسهله عليه ويسره له ، ووهب له أمورا أخر ، لا تدخل تحت كسبه ، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه ، كما قاله السلف الصالح . ويدل عليه قوله تعالى :
وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً
،
وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
. ويدل عليه أيضا ، الواقع ، فإن الإيمان قول القلب واللسان ، وعمل القلب واللسان والجوارح ، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور ، أعظم تفاوت . ثم قال :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
أي : الأعمال الباقية ، التي لا تنقطع إذا انقطع غيرها ، ولا تضمحل ، هي الصالحات منها ، من صلاة وزكاة ، وصوم ، وحج ، وعمرة ، وقراءة ، وتسبيح ، وتكبير ، وتحميد ، وتهليل ، وإحسان إلى المخلوقين ، وأعمال قلبية وبدنية . فهذه الأعمال
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا
أي : خير عند اللّه ، ثوابها وأجرها ، وكثير للعاملين نفعها وردها ، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه ، فإنه ما ثمّ غير الباقيات الصالحات ، عمل ينفع ولا يبقى لصاحبه ثوابه ، ولا ينجع . ومناسبة ، ذكر الباقيات الصالحات ، واللّه أعلم - أنه لما ذكر أن الظالمين جعلوا أحوال الدنيا من المال والولد ، وحسن المقام ونحو ذلك ، علامة لحسن حال صاحبها ، أخبر هنا أن الأمر ، ليس كما زعموا ، بل العمل الذي هو عنوان السعادة ، ومنشور الفلاح ، بما يحبه اللّه ويرضاه . [ 77 ] أي : أفلا تعجب من حالة هذا الكافر ، الذي جمع بين كفره بآيات اللّه ودعواه الكبيرة ، أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدا ، أي : يكون من أهل الجنة ، هذا من أعجب الأمور . فلو كان مؤمنا باللّه وادعى هذه الدعوى ، لسهل الأمر . وهذه الآية وإن كانت نازلة في كافر معين ، فإنها تشمل كل كافر ، زعم أنه على الحق ، وأنه من أهل الجنة . [ 78 ] قال اللّه ، توبيخا له وتكذيبا :
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ
أي : أحاط علمه بالغيب ، حتى علم ما يكون ، وأن من جملة ما يكون ، أنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا ؟
أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
أنه نائل ما قاله ، أي : لم يكن شيء من ذلك ، فعلم أنه متقوّل ، قائل ما لا علم لديه . وهذا التقسيم والترديد ، في غاية ما يكون من الإلزام وإقامة الحجة . فإن الذي يزعم أنه حاصل له خير عند اللّه في الآخرة ، لا يخلو : إما أن يكون قوله صادرا عن علم بالغيوب المستقبلة ، وقد علم أن هذا ، للّه وحده ، فلا أحد يعلم شيئا من المستقبلات الغيبية ، إلا من أطلعه اللّه عليه من رسله . وإما أن يكون متخذا عهدا عند اللّه ، بالإيمان به ، واتباع رسله ، الّذين عهد اللّه لأهله ، وأوزع أنهم أهل الآخرة ، والناجون الفائزون . فإذا انتفى هذان الأمران ، علم بذلك ، بطلان الدعوى . [ 79 ] ولهذا قال تعالى :
كَلَّا
أي : ليس الأمر كما زعم ، فليس للقائل اطلاع على الغيب ، لأنه كافر ، ليس عنده من علم الرسائل شيء ، ولا اتخذ عند الرحمن عهدا ، لكفره وعدم إيمانه . ولكنه يستحق ضد ما تقوّل ، وأن قوله مكتوب ، محفوظ ، ليجازى عليه ويعاقب . ولهذا قال :
سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا
أي :