تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
[ 10 ]
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
أي : يطمئن بها قلبي ، وليس هذا شكا في خبر اللّه ، وإنما هو ، كما قال الخليل عليه السّلام
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
فطلب زيادة العلم ، والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين ، فأجابه اللّه إلى طلبته ، رحمة به .
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
وفي الآية الأخرى
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
، والمعنى واحد ، لأنه تارة يعبر بالليالي ، وتارة بالأيام ومؤداها واحد ، وهذا من الآيات العجيبة ، فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام ، وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة ، بل كان سويا ، لا نقص فيه - من الأدلة على قدرة اللّه الخارقة للعوائد - ومع هذا ، ممنوع من الكلام ، الذي يتعلق بالآدميين وخطابهم ، وأما التسبيح ، والذكر ونحوه ، فغير ممنوع منه ، ولهذا قال في الآية الأخرى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
، فاطمأن قلبه ، واستبشر بهذه البشارة العظيمة ، وامتثل لأمر اللّه له ، بالشكر ، بعبادته وذكره ، فعكف في محرابه . [ 11 ] وخرج على قومه منه ، فأوحى إليهم ، أي : بالإشارة والرمز
أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
لأن البشارة ب « يحيى » في حق الجميع ، مصلحة دينية . [ 12 ] دل الكلام السابق ، على ولادة يحيى ، وشبابه ، وتربيته ، فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب ، أمره اللّه أن يأخذ الكتاب بقوة ، أي : بجد واجتهاد ، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه ، وفهم معانيه ، والعمل بأوامره ونواهيه ، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة ، فامتثل أمر ربه ، وأقبل على الكتاب ، فحفظه وفهمه ، وجعل اللّه فيه من الذكاء والفطنة ، ما لا يوجد في غيره ولهذا قال :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
. [ 13 ]
وَ
آتيناه أيضا
حَناناً مِنْ لَدُنَّا
أي : رحمة ورأفة ، تيسرت بها أموره ، وصلحت بها أحواله ، واستقامت بها أفعاله .
وَزَكاةً
أي : طهارة من الآفات والذنوب ، فطهر قلبه ، وتزكى عقله ، وذلك يتضمن زوال الأوصاف المذمومة ، والأخلاق الرديئة ، وزيادة الأخلاق الحسنة ، والأوصاف المحمودة ، ولهذا قال :
وَكانَ تَقِيًّا
أي : فاعلا للمأمور ، تاركا للمحظور ، ومن كان مؤمنا تقيا ، كان للّه وليا ، وكان من أهل الجنة ، التي أعدت للمتقين ، وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي ، ما رتبه اللّه على التقوى . [ 14 ]
وَ
كان أيضا
بَرًّا بِوالِدَيْهِ
أي : لم يكن عاقا ، ولا مسيئا إلى أبويه ، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل .
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
أي : لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة اللّه ، ولا مترفعا على عباد اللّه ، ولا على والديه . فجمع بين القيام بحق اللّه ، وحق خلقه ، ولهذا حصلت له السلامة من اللّه ، في جميع أحواله ، مبادئها وعواقبها . [ 15 ] فلذا قال :
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
( 15 ) وذلك يقتضي سلامته من الشيطان ، والشر ، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها ، وأنه سالم من النار والأهوال ، ومن أهل دار السّلام ، فصلوات