تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
بذلك . [ 68 - 69 ] في خلق هذه النحلة الصغيرة ، التي هداها اللّه هذه الهداية العجيبة ، ويسر لها المراعي ، ثم الرجوع إلى بيوتها ، التي أصلحتها ، بتعليم اللّه لها وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان ، بحسب اختلاف أرضها ومراعيها ، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة . فهذا دليل على كمال عناية اللّه تعالى ، وتمام لطفه بعباده ، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعى سواه . [ 70 ] يخبر تعالى ، أنه الذي خلق العباد ، ونقلهم في الخلقية ، طورا بعد طور ، ثم بعد أن يستكملوا آجالهم ، يتوفاهم ، ومنهم من يعمره حتى
يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
أي : أخسه الذي يبلغ به الإنسان إلى ضعف القوى الظاهرة والباطنة ، حتى العقل ، الذي هو جوهر الإنسان ، يزيد ضعفه حتى إنه ينسى ما كان يعلمه ، ويصير عقله كعقل الطفل ولهذا قال :
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
أي : قد أحاط علمه وقدرته بجميع الأشياء ، ومن ذلك ، ما ينقل به الآدمي من أطوار الخلقة ، خلقا بعد خلق ، كما قال تعالى :
* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
( 54 ) . [ 71 ] هذا من أدلة توحيده ، وقبح الشرك به ، يقول تعالى : كما أنكم مشتركون بأنكم مخلوقون مرزوقون ، إلا أنه تعالى
فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
فجعل منكم أحرارا ، لهم مال وثروة ، ومنكم أرقاء لهم ، لا يملكون شيئا من الدنيا ، فكما أن سادتهم الذين فضلهم اللّه عليهم بالرزق ليسوا
بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ
ويرون هذا من الأمور الممتنعة ، فكذلك من أشركتم بها مع اللّه ، فإنها عبيد ، ليس لها من الملك ، مثقال ذرة ، فكيف تجعلونها شركاء للّه تعالى ؟ هل هذا ، إلا من أعظم الظلم ، والجحود لنعم اللّه ؟ ! ! ولهذا قال :
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
فلو أقروا بالنعمة ونسبوها إلى من أولاها ، لما أشركوا به أحدا . [ 72 ] يخبر تعالى ، عن منّته العظيمة على عباده ، حيث جعل لهم أزواجا ، ليسكنوا إليها ، وجعل لهم من أزواجهم ، أولادا تقرّ بهم أعينهم ويخدمونهم ، ويقضون حوائجهم ، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة ، ورزقهم من الطيبات ، من المآكل ، والمشارب ، والنعم الظاهرة ، التي لا يقدر العباد أن يحصوها .
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
أي : أيؤمنون بالباطل ، الذي لم يكن شيئا مذكورا ، ثم أوجده اللّه ، وليس له من وجوده سوى العدم ، فلا تخلق ، ولا ترزق ، ولا تدبر من الأمور شيئا ، وهذا عام لكل ما عبد من دون اللّه ، فإنها باطلة ، فكيف يتخذها المشركون من دون اللّه ؟
وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
يجحدونها ، ويستعينون بها على معاصي اللّه والكفر به ، هل هذا إلا من أظلم الظلم ، وأفجر الفجور ، وأسفه السفه ؟ ! ! [ 73 ] يخبر تعالى ، عن جهل المشركين وظلمهم ، أنهم يعبدون من دونه آلهة ، اتخذوها شركاء للّه ، والحال أنهم لا يملكون لهم رزقا ، من السماوات والأرض ، فلا ينزلون مطرا ، ولا رزقا ، ولا ينبتون من نبات الأرض شيئا ، ولا يملكون مثقال ذرة في السماوات والأرض ، ولا يستطيعون لو أرادوا ، فإن غير المالك للشيء ، ربما كان له قوة