تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
واقتدار على ما ينفع من يتصل به ، وهؤلاء لا يملكون ولا يقدرون . فهذه صفة آلهتهم . كيف جعلوها مع اللّه ، وشبهوها بمالك الأرض والسماوات ، الذي له الملك كله ، والحمد كله ، والقوة كلها ؟ ! ! [ 74 - 75 ] ولهذا قال :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه ،
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم ، وأن نسمع ما ضربه العليم من الأمثال ، فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يعبد من دونه ، أحدهما عبد مملوك ، أي : رقيق لا يملك نفسه ، ولا يملك من المال والدنيا شيئا ، والثاني حرّ غنيّ قد رزقه اللّه منه رزقا حسنا ، من جميع أصناف المال وهو كريم محب للإحسان ، فهو ينفق منه سرا وجهرا ، هل يستوي هذا وذاك ؟ ! لا يستويان ، مع أنهما مخلوقان ، وغير محال استواؤهما . فإذا كانا لا يستويان ، فكيف يستوي المخلوق والعبد ، الذي ليس له ملك ولا قدرة ، ولا استطاعة بل هو فقير من جميع الوجوه ، بالرب المالك لجميع الممالك ، القادر على كل شيء ؟ ! ! ولهذا حمد نفسه ، واختص بالحمد بأنواعه ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
، فكأنه قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم سوّى المشركون آلهتهم باللّه ؟ قال :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فلو علموا حقيقة العلم ، لم يتجرءوا على الشرك العظيم . [ 76 ] والمثل الثاني مثل
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ
لا يسمع ولا ينطق
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
لا قليل ولا كثير
وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ
أي : يخدمه مولاه ، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه ، فهو ناقص من كل وجه ،
هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
، فأقواله عدل ، وأفعاله مستقيمة ، فكما أنهما لا يستويان ، فلا يستوي من عبد من دون اللّه ، وهو لا يقدر على شيء من مصالحه ، فلو لا قيام اللّه بها ، لم يستطع شيئا منها ، ولا يكون كفوا ، ولا ندا ، لمن لا يقول إلا الحق ، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه . [ 77 ] أي : هو تعالى المنفرد بغيب السماوات والأرض ، فلا يعلم الخفايا والبواطن ، والأسرار إلا هو ، ومن ذلك ، علم الساعة ، فلا يدري أحد متى تأتي ، إلا اللّه ، فإذا جاءت وتجلت ، لم تكن
إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
من ذلك فيقوم الناس من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم ، وتفوت الفرص لمن يريد الإمهال ،
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فلا يستغرب على قدرته الشاملة ، إحياؤه للموتى . [ 78 ] أي : هو المنفرد بهذه النعم حيث
أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
ولا تقدرون على شيء ثم إنه
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
، خص هذه الأعضاء الثلاثة ، لشرفها ، وفضلها ، ولأنها مفتاح لكل علم ، فلا يصل للعبد علم ، إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة ، وإلا فسائر الأعضاء ، والقوى الظاهرة والباطنة ، هو الذي أعطاهم إياها ، وجعل ينميها فيهم ، شيئا فشيئا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به ، وذلك لأجل أن يشكروا اللّه ، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح ، في طاعة اللّه ، فمن استعملها في غير ذلك ، كانت حجة عليه ، وقابل النعمة بأقبح المعاملة .